المشرق
العربي
والطاعون الأسود
أ.د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة
28/ 10 / 1447هـ
16 / 4 / 2026م
"الطاعون
الأسود" الذي اجتاح المشرق العربي منذ الاحتلال الأمريكي الإيراني للعراق
٢٠٠٣ أشد خطرا على الأمة ودينها وشعوبها، وأشد فتكا بها، من كل حركات الردة الباطنية
التي عرفها المسلمون منذ حركة بابك الخرمي وأبي طاهر القرمطي! مما يوجب على علمائها
ودعاتها التصدي له وكشف حقيقته، وأنه لا علاقة لحركة الردة هذه بالإسلام ولا بالخلاف
المذهبي بين أهل القبلة!
وأن تغزى الأمة
وشعوبها، ويحتل العدو أرضها وتحررها، وتهجر منها وتستعيدها، أهون عليها وعند الله من
أن ترتد عن دينها، أو تسلخ منه، بدعوى التسامح والتسامي مع حركات الردة!
فهناك فرق بين
هذه الحركات الباطنية، والخلاف المذهبي الذي حدث منذ عصر الصحابة وظهور الفرق الإسلامية،
فلم يمنع من التعايش بينها وحفظ حقوقها، وعصمة دمائها، حيث أجمع الصحابة على الحكم
لها بالإسلام، وهو ما قرره الأئمة وعلماء الأمة في كتب الاعتقاد، كما قال الطحاوي:
(ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل
ما قاله وأخبر مصدقين.. ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.. ونرى الصلاة
خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، ونرى الصلاة على من مات منهم).
والمراد بأهل القبلة
عندهم الفرق المشهورة التي خالفت عموم الأمة، وظهرت في حياة الصحابة رضي الله عنهم
وأجروا عليها أحكام الإسلام العام، وهم الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية المعتزلة،
كما اشتهرت عقائدهم وعرفت أصول مذاهبهم، في القرن الأول، لا ما زيد عليها من انحرافات
تخرج من قال بها من دائرة الإسلام والملة، كمن يدعي تحريف القرآن، أو كفر الصحابة واعتقاد
ردتهم وكفر الأمة معهم، أو اعتقاد الألوهية والربوبية بآل البيت أو غيرهم فليست هذه
أصلا من أقوال مذاهب أهل القبلة ولا هي من مسائل الخلاف بين السنة والشيعة لتدعى الأمة
اليوم إلى التعايش معها!
بينما أجمع الصحابة
على كفر أهل الردة الذين نقضوا عقد الإسلام، وأوجبوا قتالهم، كحركة الأسود العنسي،
ومسيلمة اليمامي، وكذلك أجمع الصحابة على قتال الحرورية الذين صالوا على الأمة بالسيف،
واستحلوا دماءها، واعتقدوا كفرها - مع الحكم بإسلامهم - دفعا لصولتهم وعدوانهم، كما
قال النبي ﷺ (من خرج على أمتي
يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس من أمتي)..
ولهذا لم يختلف
الأئمة وعلماء الأمة في ردة "بابك الخرمي" وحركته الباطنية في مطلع القرن
الثالث الهجري، التي عاثت في الأرض فسادا مدة عشرين سنة حتى قضى على فتنتهم قائد جيوش
المعتصم الأفشين التركي!
كما لم يختلفوا
في ردة القرامطة الذين استولوا على البحرين في مطلع القرن الرابع حتى دخلوا مكة وقتلوا
ثلاثين ألفا في الحرم، واقتلعوا الحجر الأسود سنة ٣١٧ وأخذوه إلى البحرين حتى استعيد
منهم سنة ٣٣٩، ودامت فتنتهم سبعين سنة حتى أخمدها القائد التركي المظفر مؤنس خادم الخليفة
المقتدر بالله العباسي!
وكذا فتنة إسماعيل
الصفوي في القرن العاشر الذي قتل مليون مسلم في إيران والمشرق حتى تصدى له السلطان
العثماني سليم الأول!
ثم فتنة الشاه
عباس الصفوي في مطلع القرن الحادي عشر الذي تحالف مع أوربا ضد الخلافة العثمانية واحتل
بغداد ١٥ سنة وعاثوا فيها فسادا وإلحادا حتى حررها السلطان العثماني مراد الرابع العثماني!
ثم فتنة الطاغية
الشاه نادر الأفشاري في القرن الثاني عشر الذي احتل بغداد حتى حررها السلطان العثماني
محمود الأول!
ثم جاءت هذه الفتنة
الإيرانية اليوم التي اجتاحت المشرق العربي -بالتعاون مع المحتل الأمريكي في العراق،
والروسي في الشام- أشد خطرا وإجراما ولولا المقاومة العراقية للاحتلالين الأمريكي الإيراني
منذ سنة ٢٠٠٣ إلى سنة ٢٠١٠ ثم ثورات الأمة وشعوبها في المشرق وفي الشام خاصة من سنة٢٠١١
حتى النصر والتحرير وسقوط نظام النصيرية الباطنية في دمشق أواخر ٢٠٢٤ لكان "الطاعون
الأسود" قد أكمل اجتياحه لليمن وجزيرة العرب ولهدم الكعبة واقتلع حجرها كما فعله
أسلافهم قبل ألف سنة!
إن كشف خطورة المشروع
الصفوي الإيراني الشيطاني - تاريخيا وعقائديا وسياسيا - المهدد للمشرق الإسلامي منذ
أربعة قرون واجبٌ على كل من يعرف حقيقته وردته وخطورته على الأمة ودينها وشعوبها، بعد
أن أثبت عدوانه في هذه الحرب على شعوب جزيرة العرب أن سلوكه الإجرامي لم يتغير! وأن
هناك من لا يعرف عنه شيئا البتة بسبب اختراقه المنطقة العربية إعلاميا وماليا وتنظيميا
تحت شعار القدس والمقاومة - في الوقت الذي كان يقاتل وميليشياته جنبا إلى جنب مع المحتل
الأمريكي في أفغانستان والعراق والمحتل الروسي في سوريا - وأن لديه طابورا خامسا وسادسا
وسابعا جاهزا للانقضاض معه على جزيرة العرب واستباحة حرمتها كما استباح العراق والشام
واليمن!
وسيغتفر له أتباعه
قتل مليون مسلم في أرض الحرمين - كما فعل أسلافه القرامطة - تماما كما اغتفروا له قتل
مليوني مسلم في الشام والعراق واليمن ما زالت دماؤهم لم تجف! ليصبح بعدها النظام الإيراني
الإجرامي عند الحشاشين المعاصرين آخر قلاع الإسلام! وليصبح أكابر مجرميه الذين قتلوا
وهجّروا الملايين من المسلمين شهداء الإسلام!
وسيبررون الاصطفاف
خلفه أيضا والانحياز له باسم المقاومة وتحرير فلسطين ولو على حساب أمن أرض الحرمين
ومكة والمدينة التي هي أشد حرمة وقدسية بإجماع المسلمين!
﴿كيف وإن يظهروا
عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون
اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون
في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون﴾ [التوبة: ٨-١٠]