بقلم أ.د. حــاكم المـطـيري
الجمعة 4 جمادى الآخرة 1435هـ
4إبريل 2014 م
الاستشكال العاشر: أعداء الحرية وأزمة المصطلحات:
قال السقاف في المأخذ رقم 9 (ومن المآخذ قوله – يعني د حاكم في كتاب الحرية أو الطوفان – (إن حرية الإنسان تقتضي عدم وضع قيد على هذه الحرية، وعدم إكراه الإنسان بأي نوع من أنواع الإكراه، ولهذا قرر الإسلام مبدأ {لا إكراه في الدين}، والدين بمفهومه العام يعني الطاعة والخضوع، ولهذا لا يحق للسلطة أن تخضع الأفراد لطاعتها بالقوة والإكراه، ولا أن تلزمهم برأي أو وجهة نظر، بل للإنسان الحرية في أن يؤمن أو لا يؤمن {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف 29]، {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس 99]. وله الحرية في اتباع دينه الذين يدين به: {لكم دينكم ولي دين} [1]...)!
قال الشيخ علوي السقاف مستدركا على هذه العبارة: (إن مسألة حرية الاعتقاد، والزعم بأن للإنسان الحرية في الإيمان أو الكفر، مما كثر فيها الخلط والخبط، وهذا من أبطل الباطل، والقول الحق أن عدم الإكراه لا يعني إطلاق الحرية في الكفر، أو أن هذا من حق الإنسان أن يؤمن أو لا يؤمن، بل الواجب أن يؤمن، ويحذر من الكفر، وليس هو حرا في ذلك، بل هو مهدد ومتوعد على عدم إيمانه، وإن كان لا يكره عليه...) انتهى استدراك السقاف!
وهذا النص وحده - في الموقف من الحرية ورفضها والعداء لها بسبب أزمة المصطلحات الموهومة - كاف في كشف أبعاد الأزمة الفكرية والمعرفية التي وصلت الأمة إليها حد الجدل في البدهيات والضروريات وكما في الحديث (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)!
هذا مع أنه لا توجد كلمة في لغة العرب أشرف معنى، ولا أجمل مبنى، ولا أجمع لكل خلق كريم، ولا أشمل لكل وصف نبيل، ككلمة الحرية!
قال ابن فارس (حر) الحاء والراء في المضاعف له أصلان: فالأوّل ما خالف العُبودِيّة وبَرئ من العيب والنَّقص).[2]
فالحر من الرجال الشريف والكريم والسيد النبيل...
كما قال أبو تمام:
إذا جاريت في خلق دنيئاً فأنت ومن تجاريه سواءُ
رأيت الحر يجتنب المخازي ويحميه عن الغدر الوفاء
والحرة من النساء العفيفة الشريفة، كما قالت هند بنت عتبة حين جاءت تبايع النبي صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وأن لا يزنين ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن قالت مستغربة: (أو تزني الحرة يا رسول الله)!
والحر من كل شيء أجوده، كما قال عنترة في معلقته:
وكأنما التفتت بجيد جداية رشأ من الغزلان حرّ أرثم
قال الزوزني في شرحه (الجداية: ولد الظبية، والرشأ: الذي قوي من أولاد الظباء. والغزلان جمع الغزال. الحر من كل شيء: خالصه وجيده).
وقال عنترة أيضا في معلقته:
جادت عليها كل بكر حرة فتركن كل قرارة كالدرهم
وأراد هنا ببكر حرة سحابة كريمة كثيرة المطر والخير!
قال الجوهري (والحرة: الكريمة. يقال: ناقة حرة. وسحابة حرة، أي كثيرة المطر). [3]
وقال أيضا (وتحرير الكتاب وغيره: تقويمه. وتحرير الرقبة: عتقها. وتحرير الولد: أن تفرده لطاعة الله وخدمة المسجد). [4]
وقال ابن سيدة (والحر نقيض العبد، والجمع أحرار وحرار، والأنثى حرة، والجمع حرائر، وحرره أعتقه، والحرية من الناس أخيارهم وأفاضلهم، والحر من كل شيء أعتقه، وفرس حر عتيق، وحر الفاكهة خيارها، وحر كل أرض وسطها وأطيبها، والحرة والحر الطين الطيب والرمل الطيب، قال طرفة بن العبد:
وتبسم عن ألمي كأن منورا تخلل حر الرمل دعص له ند
وحر الدار وسطها وخيرها، قال طرفة أيضا:
تعيرني طوفي البلاد ورحلتي ألا رب دار لي سوى حر دارك
والحر الفعل الحسن قال طرفة:
لا يكن حبك داء قاتلا ليس هذا منك ماوي بحر
والحرة الكريمة من النساء...).[5]
ولا توجد أمة من أمم الأرض تأنف من كلمة الحرية أو ترفضها، حتى شكل الطغاة العرب اليوم بإعلامهم وتعليمهم ومكرهم ثقافة ممسوخة ترفض الحرية خوفا على الشرف والعرض والدين! ليتشبث المجتمع بالطغاة وحكمهم ويتنازلوا عن أجل نعمة لله على عباده وهبها لهم وأكرمهم بها وهي الحرية خوفا على دينهم، ليسومهم الطاغوت سوء العذاب فيظلم أبرارهم، ويسجن أحرارهم، وينهب ثرواتهم، ثم يصبرون على ذلك كله خوفا من الحرية التي تهدد دينهم، ذلك الدين الذي لا وجود له في واقعهم، اللهم إلا في عالمهم الخيالي الافتراضي!
والإجابة عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: لا يخفى على القارئ الفطن التناقض الظاهر في عبارة السقاف، واضطرابه في تحرير محل النزاع وتصور المسألة، فبينما يقول (ليس هو حرا في ذلك) إذا هو يقول (وإن كان لا يكره عليه)!
ما معنى أن لا يكون الإنسان مكرها وفي الوقت نفسه ليس هو حرا!
ويبدو أن الشيخ علوي السقاف لا يعرف معنى الحرية هنا، ولا معنى الإكراه، وإنما خطر في نفسه شيء لم يعجبه من كلام د حاكم ولم يستسغه، ولم يسمعه من قبل، ولم يجد عليه قومه، فرده ورفضه عادة وعرفا، لا لمعنى معقول في نفسه، فلما رده أراد أن يعلل سبب الرفض، فجاء بهذا التعليل العليل، والنظر الكليل، فالإنسان عند السقاف لا يكره على الإيمان ومع ذلك ليس هو حرا في أن يؤمن أو لا يؤمن!
كيف يمكن الجمع بين عبارة (ليس الإنسان حرا) في الإيمان، وفي الوقت ذاته (لا يكره) على الإيمان!
وصدق القائل:
ومن جهلت نفسه قدره
رأى غيره منه ما لا يرى!
والحديث عن أن الإنسان (حر) يبنى على مقدمتين:
المقدمة الأولى: في معنى لفظ (حر) هنا، وهو يقابل لفظ (مكره أو مضطر) أي ليس مختارا لما يصدر عنه، ولم يستخدم الفقهاء والعلماء قديما لفظة (حر) بهذا المعنى الذي نستخدمه اليوم، لأنه يغلب استعماله عند الفقهاء قديما على ما يقابل (الرقيق والعبد المملوك)، وبسبب هذا الاشتراك اللفظي في كلمة (حر)، استعمل الفقهاء والأصوليون كلمة (مختار)، للتعبير عن معنى (الحرية في التصرف)، وهو الذي يريده المعاصرون حين يقولون حق الإنسان في (الحرية) أي حقه في (الاختيار وعدم الإكراه والإجبار على ما لا يريد) خصوصا الحرية السياسية في انتخاب من يمثله وإبداء رأيه في الشأن العام وممارسة حقوقه الطبيعية كالتملك والتنقل والعمل.. الخ!
ولا شك أن الفرق بين الحر والعبد هو في كون الحر غير مملوك لغيره ولا خاضع له، لا في ذاته ولا في إرادته، ولهذا سقط التكليف الشرعي عن العبد المملوك حتى في بعض أركان الإسلام، فلا يجب عليه زكاة ولا حج ولا جمعة ولا جماعة ولا جهاد... الخ لفقده للحرية والإرادة التي يتمتع بها الحر!
ولهذا صار لهذا اللفظ مدلولاته التي تتسع باتساع إرادة الإنسان وتصرفه واختياره، وتضيق بضيقها، فقالوا لكل من يتعرض للظلم ولا يستطيع الدفع عن نفسه بأنه عبد حتى وإن كان حرا غير مملوك، لمشابهته للعبد في فقده لإرادته وقدرته في التصرف والدفع عن نفسه، كما قال عمر في كلمته الخالدة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) حين وقع الظلم على المصري القبطي!
وقالت العرب في المثل (لا حر بوادي عوف) وهو عوف بن محلم الشيباني، لسؤدده وشرفه حدا لا يخرج أحد من قومه عن أمره ونهيه!
وقال الشاعر المزني:
فلا توعدنا يا بلال فإننا ... وإن نحن لم نشقق عصى الدين أحرار
أراد فإننا أحرار وإن لم نخرج على السلطة ولم نشق عصى الطاعة لها، فلا نقبل ظلمها ولا نصبر على ضيمها، لقدرتنا على قتالها والدفع عن أنفسنا، فلسنا عبيدا لها، وهو أظهر صور الحرية في التصرف والاختيار!
وهذا معنى قول الملأ من قوم فرعون عن بني إسرائيل {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}، قال ابن جرير الطبري (يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل... قال ابن زيد: قال فرعون {أنؤمن لبشرين مثلنا}، أي نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} قال: العلو في الأرض).[6]
وقد صار للحرية معاني أوسع كما في اصطلاح أهل التصوف والسلوك، فهي تعني الانعتاق الكلي من العبودية لكل ما سوى الله، فلا تسترق الإنسان شهواته ولا إراداته، كما قال الجرجاني في تعريفاته (الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار، وهي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات، وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم من إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لا نمحاقهم في تجلي نور الأنوار).[7]
ومن ذلك قول امرأة عمران كما في القرآن {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا}، قال أهل التفسير محررا (تقول: جعلته عتيقًا لعبادة الله، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا).[8]
وهذا المعنى الذي جعل أهل السلوك والزهد يعتبرون مقام الحرية أرفع مقامات العبودية لله حتى قالوا (الحرية نهاية العبودية).[9]
إذ في هذا المقام يتحرر الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، كما وصف الله رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله {لما قام عبد الله يدعوه}، وقال {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا}، لخلوص إرادته صلى الله عليه وسلم وقصده وطاعته وعبادته لله وحده لا شرك له!
وهذا السبب – وهو اتساع مدلول كلمة الحرية لكل هذه المعاني - هو الذي جعل الفقهاء يستخدمون بدلا منها كلمة (مختار) التي تنافي الإكراه والإجبار، كما قال الجرجاني في تعريفاته (والفاعل المختار هو الذي يصح أن يصدر عنه الفعل مع قصد وإرادة).[10]
وقال (الإكراه حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد والإلزام، والإجبار على ما يكره الإنسان طبعا أو شرعا، فيقدم على عدم الرضا ليرفع ما هو أضر).[11]
المقدمة الثانية: في حقيقة حرية الإنسان المعنوية:
ولا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل ملك الإنسان لنفسه، وهي حقيقة حريته (الحرية حياة للإنسان، إذ بها يثبت له صفة المالكية، التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات والجمادات).[12]
فقدرة الإنسان على الملك والتملك فرع عن تحقق ملك الإنسان لنفسه وتحرره من العبودية لغيره، وبتحقق ذلك له بالحياة التي وهبها الله له، وبالحرية التي هي فرع الحياة الموهوبة له منذ ولادته من الله الذي خلقه ورزقه، حق له التصرف بجميع أنواع التصرفات المشروعة والمباحة له، دون قيد أو شرط، إلا في حال الحجر عليه لصغر سنه أو سفهه أو نقص عقله.
والفقهاء مجمعون على أن الأصل في الإنسان الحرية لا الرق، كما قال الماوردي (الأصل الحرية، والرق طارئ).[13]
وقال ابن قدامة الحنبلي عن الأصل في دار الإسلام (الأصل عدم الشرك والرق، ولأن الأصل الحرية وإسلام أهل دار الإسلام).[14]
وقال أيضا (لأن الأصل الحرية والظاهر في الدار الحرية، ولهذا يحكم بإسلام لقيطها وحريته).[15]
وهذا القدر من الحرية المعنوية في حق الإنسان في التملك والتصرف لا خلاف فيه بين الفقهاء.
وإنما وقع الخلاف بين المتكلمين في:
1- هل الإنسان في إيجاده لأفعاله مريد حر مختار، كما يقول المعتزلة في أصل (العدل) الذي هو من أصولهم الخمسة في الاعتقاد، حيث يقررون بأن من عدل الله أن جعل للإنسان قدرة وإرادة يوجد فيها أفعاله سواء كفرا وإيمانا، بكل حرية دون فعل لله فيه، وهذا هو (القَدَر) الذي يثبتونه، وهو قدرة الإنسان على إيجاد الفعل استقلالا!
2- أم الإنسان تحت قدر الله وإرادته، فلا فعل له على الحقيقة، كما يقول أهل الجبر، نفيا لشرك الأسباب، وألا يكون مع الله فاعل سواه في الوجود، كما يقول الأشعرية وهذا عندهم من الإيمان بالقدر؟
3- أم الإنسان فاعل حقيقة لفعله، وله إرادة واختيار وقدرة يوجد فيها الفعل إيمانا وكفرا، وطاعة ومعصية، غير أن الله هو الخالق للإنسان وأفعاله، فلا يخرج شيء عن إرادته المطلقة، ولا يكون في ملك الله ما لا يريده كونا وقدرا، وإن كان يقع في ملكه ما لا يرضاه شرعا وأمرا، كما قال تعالى {والله خلقكم وما تعملون} {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}، وهذا حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر، كما هو قول سلف الأمة وعامة أهل السنة...
فأي هذه المعاني يريد الشيخ السقاف بقوله (الإنسان ليس حرا في أن يؤمن أو لا يؤمن، وليس مكرها)!
فإن قصد المعنى العقائدي الذي اختلف فيه المتكلمون، فهذا قول الجبرية الذين ينفون عن الإنسان قدرته واختياره وفعله للإيمان ونقيضه، فالإنسان عندهم مجبور وليس حرا مختارا بهذا المعنى!
وعامة سلف الأمة وأئمة أهل السنة على أن الإنسان حر مختار فاعل حقيقة لفعله، وله قدرة على الاختيار بين الإيمان وعدمه، والطاعة وعدمها، وإن كانت لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته وإرادته الكونية المطلقة، إذ الله هو خالق أفعال العباد كما خلق العباد، وهم فاعلون لها حقيقة لا مجازا.
وإن قصد السقاف المعنى التشريعي الفقهي، فالإنسان في الأصل حر مالك لنفسه، وله الحق في التصرف بكل أشكال التصرفات من العقود والمعاملات المشروعة، ولا يمنع من شيء من ذلك إلا استثناءً لسبب طارئ، أو مانع خارجي، كطروء ما يؤدي للحجر عليه، أو لتعديه بالضرر على غيره...الخ
وإن قصد السقاف بأن الإنسان ليس حرا في أن يؤمن أو لا يؤمن، بمعنى أن الله نهاه عن الشرك وأمره بالإيمان به، فهذا غير داخل في المعنى الذي نحن بصدده إذ أمر الله ونهيه لعباده هو ذاته الدليل على اختبارهم واختيارهم وتكليفهم، ولا يكون ذلك مع انعدام الاختيار أو مع الإكراه، إذ لا معنى للأمر والنهي إن لم يكونوا أحرارا مختارين للفعل وعدمه!
وبقي السؤال هنا للسقاف هل للإنسان الحق شرعا وفقها - سواء في ظل دولة الإسلام ونظامها السياسي أو في غير دار الإسلام - أن يظل على دينه كاليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرها من الأديان الأخرى أم لا؟
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يفتن أحد عن دينه سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، وهذه الآية تؤكد رفع الإكراه بالمعنى الأول العقائدي القدري، وبالمعنى الثاني التشريعي الأمري، فنفى الله الإكراه كله بكل صوره، وهو ما أكدته السنة والسيرة النبوية، كما روى عبد الرزاق قال أخبرنا بن جريج - مرفوعا مرسلا - قال كان في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن (ومن كره الإسلام من يهودي ونصراني، فإنه لا يحول عن دينه..).[16]
وعن عروة بن الزبير - مرفوعا مرسلا - قال : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن (إنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية، فمن أدى ذلك إلى رسلي فإنه له ذمة الله وذمة رسوله).[17]
وعن الحكم - مرسلا مرفوعا - قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ وهو باليمن (ولا يفتن يهودي عن يهوديته).[18]
قال ابن القيم (وهذه الاديان الستة مذكورة في آية الفصل في قوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد}، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم استجاب له ولخلفائه بعده أكثر الاديان طوعا واختيارا، ولم يكره أحدا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لأمر ربه سبحانه حيث يقول {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} وهذا نفي في معنى النهي، أي لا تكرهوا أحدا على الدين، نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام فلما جاء الإسلام أسلم الآباء وأرادوا إكراه الأولاد على الدين فنهاهم الله سبحانه عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام، والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر، وهذا ظاهر على قول من يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار، فلا يكرهون على الدخول في الدين، بل إما أن يدخلوا في الدين، وإما أن يعطوا الجزية ،كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة، وإن استثنى هؤلاء بعض عبدة الأوثان، ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تبين له أنه لم يكره أحدا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له كما قال تعالى {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم}، ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدأوه بالقتال قاتلهم، فمنّ على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدأوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق ويوم بدر أيضا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا).[19]
وقال ابن عاشور في تفسير قوله تعالى {لا إكراه في الدين} (ونفي الإكراه خبر في معنى النهي، والمراد نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام، أي لا تكرهوا أحدا على اتباع الإسلام قسرا، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصا، وهو دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه، لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار).[20]
وقال السعدي في تفسير الآية (يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا).[21]
وقال الشيخ السعدي أيضا في كون الآية محكمة غير منسوخة (فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد، فجزم بأنها منسوخة فقوله ضعيف، لفظا ومعنى، كما هو واضح بين لمن تدبر الآية الكريمة، كما نبهنا عليه).[22]
وقال السعدي في قوله تعالى ({فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} وليس في قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام).[23]
فما الذي ينكره الشيخ السقاف من هذه المعاني والحقائق الشرعية التي تؤكد أنه {لا إكراه في الدين} بنص القرآن؟ وما الحرية التي ينفيها السقاف حتى يعترض على ما قررته في كتاب (الحرية أو الطوفان) في أن الإنسان حر في أن يؤمن أو لا يؤمن، كما هو صريح القرآن {من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}؟
وهذه الآيات حجة لكلا الأصلين العقائدي والفقهي، لمن أثبتوا أن الإنسان حر مختار غير مجبور قدرا في علم العقائد، ولمن أثبتوا أنه حر مختار غير مكره على الإيمان شرعا وأمرا في علم الشرائع، وهذا الأصل الأصيل لا يعترض عليه بالاستثناء في الأحكام الجزئية الفرعية، كحكم الردة والخلاف فيها، وكالإكراه بحق، المشروع في بعض الصور، كإجبار المدين على بيع ماله لسداد ديونه لمستحقيها ونحوه، لما تقرر من كون ثبوت القاعدة والأصل لا يعارضه وجود الاستثناء، بل وجوده دليل على ثبوت الأصل العام والقاعدة الكلية!
كما لا يقال بأن هذه الآية تهديد ووعيد لا يستفاد منه إباحة الكفر بالله، إذ هذا المعنى مقطوع به، ومعلوم من دين الإسلام بالضرورة، فالله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له، وأن يطاع ولا يعصى، وأنه وعد من آمن به وأطاعه الجنة، وتوعد من كفر به وعصاه بالنار، ولم يأذن الله لعباده بالكفر والعصيان، وإنما الذي يستفاد من الوعيد في هذه الآيات هو الاختبار والتكليف وثبوت الإرادة والاختيار للمكلف في أن يؤمن أو لا يؤمن، وهذا هو المقصود هنا وهو محل النزاع، فالخلاف هو في مفهوم (الحرية الدينية) و(التعددية الدينية) أي موقف الدولة والسلطة والشريعة في الإسلام من الأديان الأخرى، فهل تقر أهلها على أديانهم أم لا؟ وإذا أقرتهم على أديانهم فهذا اعتراف بالحق لهم أن يبقوا على أديانهم – حتى مع بطلانها في ذاتها في دين الله - وهو حق تترتب عليه أحكام شرعية أخرى، كحقهم في أن يكون أبناؤهم تبعا لهم في الدين، وحقهم في التحاكم لشرائعهم الدينية، وحقهم في عبادتهم في معابدهم، وهذه حقوق ثبتت لهم بحكم الله ورسوله، ولا يتنافى ذلك مع كون عبادتهم قد تكون شركا وكفرا، وتحاكمهم إلى شرائعهم قد يكون باطلا وظلما!
وهذا معنى قوله تعالى {ويكون الدين كله لله} أي تكون الطاعة والحكم لله وحده، بما في ذلك الالتزام بحكمه بعدم إكراه أحد على عبادته وطاعته {لا إكراه في الدين}، ولو شاء الله لجعل الناس كلهم أمة واحدة على دينه، وإنما أراد الله أن يبتليهم ويختبرهم أيهم أحسن عملا {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}!
قال الإمام الشافعي في مشروعية رد أهل الكتاب ليتحاكموا إلى شرائعهم فيما بينهم وعدم إجبارهم وعدم إكراههم على ما ينافي دينهم:
(فقال لي بعض الناس: فإنك إذا أبيت الحكم بينهم رجعوا إلى حكامهم فحكموا بينهم بغير الحق عندك؟
فقلت له: إذا أبيت الحكم فحكم حاكمهم بينهم بغير الحق، لم أكن أنا حاكما، وقد أعلمتك ما جعل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من الخيار في الحكم بينهم أو الترك لهم، وما أوجدتك من الدلائل على أن الخيار ثابت بأن لم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من جاء بعده من أئمة الهدى، أو ترى تركي الحكم بينهم أعظم أم تركهم على الشرك بالله تبارك وتعالى؟
قال الشافعي فقال لي قائل: فإن امتنعوا أن يأتوا حكامهم؟
قلت: أخيرهم بين أن يرجعوا إليهم أو يفسخوا الذمة.
قال: فإذا خيرتهم فرجعوا وأنت تعلم أنهم يحكمون بينهم بالباطل عندك فأراك قد شركتهم في حكمهم؟
قال الشافعي: فقلت له: لست شريكهم في حكمهم، وإنما وفيت لهم بذمتهم، وذمتهم أن يأمنوا في بلاد المسلمين لا يجبرون على غير دينهم، ولم يزالوا يتحاكمون إلى حكامهم برضاهم، فإذا امتنعوا من حكامهم قلت لهم: لم تعطوا الأمان على الامتناع والظلم، فاختاروا أن تفسخوا الذمة أو ترجعوا إلى من لم يزل يُعلم أنه كان يحكم بينكم منذ كنتم، فإن اختاروا فسخ الذمة فسخناها، وإن لم يفعلوا ورجعوا إلى حكامهم فكذلك لم يزالوا لا يمنعهم منه إمام قبلنا، ورجوعهم إليهم شيء رضوا به لم نشركهم نحن فيه.
قال الشافعي: ولو رددناهم إلى حكامهم لم يكن ردناهم مما يشركهم، ولكنه منع لهم من الامتناع.
وقلت لبعض من يقول هذا القول: أرأيت لو أغار عليهم العدو فسبوهم فمنعوهم من الشرك وشرب الخمر وأكل الخنزير أكان علي أن أستنقذهم إن قويت لذمتهم؟
قال: نعم!
قلت: فإن قال قائل: إذا استنقذتهم ورجعوا آمنين أشركوا وشربوا الخمر وأكلوا الخنزير، فلا تستنقذهم فتشركهم في ذلك! ما الحجة؟
قال: الحجة أن نقول أستنقذناهم لذمتهم.
قلت: فإن قال: في أي ذمتهم وجدت أن تستنقذهم؟ هل تجد بذلك خبرا؟
قال: لا ولكن معقول إذا تركتهم آمنين في بلاد المسلمين أن عليك الدفع عمن في بلاد المسلمين.
قلت: فإن قلت: أدفع عما في بلاد المسلمين للمسلمين، فأما لغيرهم فلا؟
قال: إذا جعلت لغيرهم الأمان فيها كان عليك الدفع عنهم وحالهم حال المسلمين؟
قلت: فكيف جعلت علي الدفع عنهم وحالهم مخالفة حال المسلمين فهم وإن استووا في أن لهم المقام بدار المسلمين مختلفون فيما يلزم لهم المسلمين؟
قال الشافعي: وإن جاز لنا القتال عنهم، ونحن نعلم ما هم عليه من الشرك واستنقاذهم لو أسروا فردهم إلى حكامهم وإن حكموا بما لا نرى أخف وأولى أن يكون لنا.
قال الشافعي: فقال لي بعض الناس: أرأيت إن أجزت الحكم بينهم كيف تحكم؟
قلت إذا اجتمعوا على الرضا بي، فأحب إلي أن لا أحكم لما وصفت لك، ولأن ذلك لو كان فضلا حكم به من كان قبلي، فإن رضيت بأنه مباح لي لم أحكم حتى أعلمهم أني إنما أجيز بينهم ما يجوز بين المسلمين وأرد بينهم ما يرد بين المسلمين). [24]
وكل هذا الذي يقرره الشافعي هنا من حقوق لأهل الذمة في دار الإسلام – والتي حُرم منها المسلمون اليوم حتى في بلدانهم حيث يكرهون على التحاكم لغير الشريعة - هي التي يطلق عليها اليوم (حقوق الأقليات الدينية) و(الحرية الدينية) و(التعددية الدينية) و(الحقوق الإنسانية)..الخ
الوجه الثاني:
هو أن المشكلة هنا كما يظهر جليا ليست بين د حاكم والسقاف، بل بين القرآن والسقاف الذي يقول بأن الإنسان (ليس حرا في أن يؤمن أو لا يؤمن وهذا من أبطل الباطل)، بينما القرآن يقول {لا إكراه في الدين}، ويقول {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، ليقرر القرآن بأن الله خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ولا يتحقق ذلك الابتلاء والتكليف إلا بالاختيار وعدم الإكراه، وهو ما يعبر عنه المعاصرون بالحرية والإرادة الحرة للإنسان، ويعبر عنه الفقهاء والأصوليون بالاختيار الذي يشترطونه لصحة جميع العبادات وجميع المعاملات، فلا يقبل الله عبادة بغير قصد ونية واختيار من المكلف بما في ذلك الإيمان والدخول في الإسلام، ولا تصح معاملة وعقد بلا قصد واختيار، ولا تترتب عليها آثارها، ولهذا جاء في الحديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ولا عبرة بالإكراه حتى على الكفر بالله كما قال تعالى {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، فلا إكراه على الإيمان بالله، ولا إكراه على الكفر بالله، وهذه هي حقيقة كون الإنسان حرا مختارا قدرا وشرعا!
وهذا القدر من الاختيار والحرية في الفعل الإنساني محل اتفاق بين أهل الإسلام، ولا يكاد يختلفون فيه من حيث الجملة، وإن وقع اختلاف في بعض الفروع الجزئية، التي لا تعارض هذا الأصل الأصيل والقاعدة الرئيسة من قواعد التكليف العامة كما اتفق عليه الفقهاء والأصوليون والمتكلمون، وما تشترطه قاعدة التكليف من توفر إرادة الإنسان وقصده حين الفعل وعدم صدوره منه عن إكراه وعدم اختيار، وهذا كاشتراط العقل والبلوغ، فلا تكليف على مجنون أو صبي صغير!
كما قال أبو الوليد بن رشد: (من شرط التكليف الاختيار).[25]
وقال ابن حجر في شرح حديث (رفع عن أمتي الخطأ...): (قال بعض العلماء ينبغي أن يعد – هذا الحديث - نصف الإسلام، لأن الفعل إما عن قصد واختيار أو لا، الثاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه، فهذا القسم معفو عنه باتفاق، وإنما اختلف العلماء هل المعفو عنه الإثم أو الحكم أو هما معا، وظاهر الحديث الأخير وما خرج عنه كالقتل فله دليل منفصل).[26]
وقال ابن رجب الحنبلي: (وسائر الأقوال يتصور عليها الإكراه، فإذا أكره بغير حق على قول من الأقوال، لم يترتب عليه حكم من الأحكام، وكان لغوا، فإن كلام المكره صدر منه وهو غير راض به، فلذلك عفي عنه، ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة، وبهذا فارق الناسي والجاهل، وسواء في ذلك العقود : كالبيع ، والنكاح ، أو الفسوخ : كالخلع والطلاق والعتاق، وكذلك الأيمان والنذور، وهذا قول جمهور العلماء، وهو قول مالك والشافعي وأحمد).[27]
وقال المرداوي الحنبلي شارحا متن التحرير في أصول الفقه في أحكام الإكراه:
(قوله (والمكره المحمول كالآلة غير مكلف عند أصحابنا والأكثر) وهو مما لا يطاق، قال ابن قاضي الجبل (إذا انتهى الإكراه إلى سلب القدرة والاختيار، فهذا غير مكلف إجماعا، وحكاية ابن قاضي الجبل الإجماع فيه نظر أيضا، إلا أن يريد أنه غير مأثوم، فمسلم، وقال البرماوي (المكره كالآلة يمتنع تكليفه، قيل باتفاق، لكن الآمدي أشار إلى أن تطرقه الخلاف من التكليف بالمحال، لتصور الابتلاء منه، بخلاف الغافل، قوله (وبالتهديد والضرب مكلف عندنا وعند الأكثر خلافا للمعتزلة والطوفي)، والمذهب : الأول وهو مذهب أكثر العلماء، منهم الشافعية وغيرهم، لصحة الفعل منه وتركه، ونسبة الفعل إليه حقيقة، ولهذا يأثم المكره بالقتل بلا خلاف.. وذهبت المعتزلة والطوفي من أصحابنا إلى أنه غير مكلف، فقال في ' مختصره ' (والعدل الظاهر الشرعي، يقتضي عدم تكليفه)...).[28]
وقال السبكي الشافعي (قاعدة: الإكراه يسقط أثر التصرف فعلا كان أم قولا).[29]
وقال السبكي في الإبهاج (قد قال الفقهاء إن الإكراه يسقط أثر التصرف، قلت لا يلزم من كونه مسقطا أثر التصرف ألا يجامع التكليف، والضابط في خطاب المكره وتصرفاته والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط..). [30]
فالخلاف بين الفقهاء هو هل المكره غير مكلف أصلا حال الإكراه كما يقول بعضهم، أم مكلف غير مؤاخذ على فعله الذي صدر عنه بلا رضاه ولا اختياره ولا قصده، كما يقول جمهورهم!
فالفقهاء جميعا متفقون على الإرادة والاختيار في فعل المكلف ليترتب عليه أثره الدنيوي والأخروي، سواء قيل هو مكلف معذور، أو قيل غير مكلف أصلا!
وقال الزركشي في البحر المحيط في أصول الفقه (الشرط السادس الاختيار فيمتنع تكليف الملجأ وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل مع حضور عقله...).[31]
وقال الشاطبي: (المقاصد المتعلقة بالأعمال ضربان: ضرب هو من ضرورة كل فاعل مختار من حيث هو مختار، وهنا يصح أن يقال: إن كل عمل معتبر بنيته فيه شرعا، قصد به امتثال أمر الشارع أو لا، وتتعلق إذ ذاك الأحكام التكليفية، وعليه يدل ما تقدم من الأدلة؛ فإن كل فاعل عاقل مختار إنما يقصد بعمله غرضا من الأغراض، حسنا كان أو قبيحا، مطلوب الفعل أو الترك أو غير مطلوب شرعا، فلو فرضنا العمل مع عدم الاختيار كالملجأ والنائم والمجنون وما أشبه ذلك؛ فهؤلاء غير مكلفين؛ فلا يتعلق بأفعالهم مقتضى الأدلة السابقة؛ فليس هذا النمط بمقصود للشارع؛ فبقي ما كان مفعولا بالاختيار لا بد فيه من القصد، وإذ ذلك تعلقت به الأحكام، ولا يتخلف عن الكلية عمل ألبتة...
والضرب الثاني: ليس من ضرورة كل فعل، وإنما هو من ضرورة التعبديات من حيث هي تعبديات؛ كلها الداخلة تحت الاختيار لا تصير تعبدية إلا مع القصد إلى ذلك، أما ما وضع على التعبد كالصلاة والحج وغيرهما؛ فلا إشكال فيه، وأما العادايات، فلا تكون تعبديات إلا بالنيات، ولا يتخلف عن ذلك من الأعمال شيء إلا النظر الأول لعدم إمكانه، لكنه في الحقيقة راجع إلى أن قصد التعبد فيه غير متوجه عليه؛ فلا يتعلق به الحكم التكليفي ألبتة، بناء على منع التكليف بما لا يطاق).[32]
فهذه بعض الحقائق القرآنية والنبوية والشرعية التي تنقض شبهة السقاف من أصلها حول مفهوم (الحرية)، فهو إما بين الخطأ البيّن فيما قرره لعدم تحريره للمسألة على وجه صحيح، أو الوهم الفاضح حين أصبح أسير أزمة مصطلحات موهومة حادثة، رد بسببها نصوص القرآن والسنة وإجماع الفقهاء، حتى تكلف في تأويلها على نحو لا يستقيم لغة ولا شرعا ولا فقها!
وما زلنا مع السقاف وشبهاته حول الحرية وللحديث بقية!
[1] وحرية الاعتقاد لا تعني حق المسلم بالإعلان عن ردته؛ إذ هذا الإعلان طعن صريح في الدين الإسلامي، واعتداء على عقيدة الأمة، فإذا أسر بالكفر فليس للسلطة عليه سبيل كما كان حال المنافقين في المدينة (الحرية أو الطوفان).
[2] معجم مقاييس اللغة لابن فارس - (2 / 6)
[3] الصحاح في اللغة - (1 / 122)
[4] الصحاح في اللغة - (1 / 123)
[5] المحكم والمحيط الأعظم - (2 / 519)
[6] جامع البيان (19 / 35)
[7] (1 / 116)
[8] جامع البيان (تفسير الطبري) - (6 / 330)
[9] كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم - (1 / 1088)
[10] التعريفات - (1 / 211)
[11] التعريفات - (1 / 50)
[12] جامع العلوم في اصطلاحات الفنون - (2 / 232)
[13] الحاوي الكبير ، ط الكتب العلمية - (17 / 371)
[14] الشرح الكبير (10 / 216)
[15] الكافي في فقه ابن حنبل - (4 / 48)
[16] مصنف عبد الرزاق - (6 / 90) وله شواهد مرسلة حسنة يتقوى بها .
[17] الأموال ـ لأبي عبيد - (1 / 35) وإسناده حسن مرسلا
[18] الأموال ـ لأبي عبيد - (1 / 35) وإسناده حسن مرسلا
[19] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - (1 / 12)
[20] التحرير والتنوير - (2 / 499)
[21] تفسير السعدي - (1 / 110)
[22] تفسير السعدي - (1 / 954)
[23] تفسير السعدي - (1 / 475)
[24] الأم للشافعي 7/191.
[25] فصل المقال - لابن رشد - (1 / 6)
[26] فتح الباري - ابن حجر - (5 / 161)
[27] جامع العلوم والحكم محقق - (41 / 17)
[28] التحبير شرح التحرير - (3 / 1200)
[29] الأشباه والنظائر (1 / 167)
[30] الإبهاج في شرح المنهاج - (1 / 244)
[31] البحر المحيط في أصول الفقه - (1 / 287)
[32] الموافقات - (3 / 17)