بقلم
أ د حاكم المطيري
27 جمادى أول 1435
29 مارس 2014 م
الاستشكال
السابع : حقيقة الدين بين مفهومين :
استدرك
السقاف علي احتجاجي بحديث ابن مسعود (تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست
وثلاثين .. فإن يقم لهم دينهم فإلى السبعين)، حيث ذكرت في التحرير بأن المراد
بالدين هنا الخلافة، والسبعين نهاية المرحلة الأولى للخطاب السياسي المنزل، فقال
السقاف (الحديث لم يتعرض لبقاء الدولة أو الخلافة بل نص على بقاء الدين)!
وقال
في نقده في المأخذ رقم 6 (المؤلف - حاكم المطيري - في تحديده الزمني لهذه المرحلة
- والتي حددها زمنيا من 73 ه، وفي ص 206 أنها بدأت نصف القرن الأول - غير مسبوق،
وليس على هذا التحديد دليل صريح، بل معالم الخطاب السياسي المنزل على حد قوله كانت
قائمة إلى حدود سنة 106 ه، فضلا أن تلك المرحلة على تحديد المؤلف قد طالت لقرون
عديدة، ويصح أنها شملت تاريخ أمة الإسلام كله إلا 73 سنة أو نصف القرن الأول
الهجري فقط، كل هذه المدة المديدة تعيش أمة الإسلام مرحلة الخطاب المؤول المخالف
للخطاب المنزل على حسب رأي المؤلف..)!
والإجابة
عن هذه الشبهة من وجوه :
الوجه
الأول :
أن
حديث ابن مسعود (تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست وثلاثين .. فإن يقم لهم
دينهم فإلى السبعين) هو في حد ذاته دليل ظاهر على بطلان نظرية السقاف نفسه، الذي
لا يتصور معنى الدين إلا بمالمفهوم النصراني، والتعريف العلماني للدين، الذي يشكل
اليوم الثقافة الدينية (الشرق وسطية) الجديدة!
فظن
أن الحديث يدل على نظريته التي يقرر فيها إمكان قيام دين الإسلام كاملا بلا دولة
ولا خلافة تزعج أولياء أمره وحلفاءهم! مع أن الدين لغة وشرعا يأتي أصلا بمعنى الطاعة
والحكم والقضاء والسلطة والدولة!
فقد
قلت في كتاب (تحرير الإنسان) :
(الأصل
الأول: ضرورة الدولة ووجوب لجماعة:
وقد
تجلى هذا الأصل بقوله صلى الله عليه وسلم لعمه وهو في مكة (أريد منهم كلمة واحدة
تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم الجزية العجم)، فقالوا: وما هي ؟ قال (قولوا
لا إله إلا الله).([1])
أي
لا معبود ولا مطاع ولا حاكم يحكم بينكم إلا الله وحده!
لقد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد منهم أكثر من ترك عبادة الأوثان، فقد كان يطلب
أيضا الطاعة المطلقة لله ورسوله، وهو المقصود من كلمة لا إله إلا الله، وهي حقيقة
الرسالة، كما قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله).([2])
وهذا
ما أدركه عتبة بن ربيعة حين أرسلته قريش ليعرض على النبي صلى الله عليه وسلم المال
والسيادة مقابل الكف عن دعوته، فقرأ عليه سورة فصلت فرجع عتبة لقريش بغير الوجه
الذي ذهب به وقال لهم (يامعشر قريش خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه، فوالله ليكونن
لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على
العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به)([3]).
لقد
علم عتبة بن ربيعة مضمون الرسالة وأنها ستأول إلى سلطة وطاعة وملك ودولة تحكم
العرب كلهم!
وهذا
معنى الدين الذي أمرهم القرآن بإقامته وعدم التفرق فيه، كما قال تعالى في سورة
الشورى {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}.
التلازم
بين الدين والسلطة والسياسة:
ودلالة
لفظ الدين على ضرورة الدولة والسلطة هي دلالة لفظية لغوية، قبل أن تكون ضرورة
شرعية وعقلية، فالدين في لغة العرب له معان عدة لا تخرج عما يلي:
أولا:
الدين بمعنى السلطة : كما في قوله تعالى في قصة يوسف {ما كان ليأخذ أخاه في
دين الملك}([4])،
أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في سلطان الملك ودولته، فقد روى ابن جرير في تفسر
هذه الآية عن ابن عباس والضحاك قالا (دين الملك: سلطان الملك)، وقال قتادة
وابن زيد والسدي (دين الملك: حكمه وقضاؤه)!
قال ابن جرير (وهذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظ قائليها
في معنى{دين الملك} فمتقاربة المعاني، لأن من أخذه في سلطان الملك، عامله بعمله، فبرضاه
أخذه إذا لا بغيره، وذلك منه حكم عليه، وحكمه عليه قضاؤه، وأصل الدين الطاعة).
ثانيا:
الدين بمعنى الطاعة: ومنه قوله تعالى {لا إكراه في الدين}([5])،
أي لا إكراه في الطاعة، كما قال ابن جرير آنفا (وأصل الدين الطاعة).
ثالثا:
الدين بمعنى الحساب والجزاء: ومنه قوله تعالى {مالك يوم الدين}، أي مالك
يوم الجزاء والحساب.
وقد
جاء في لسان العرب في معنى الدين: (الديان اسم من أسماء الله معناه الحكم والقاضي
من دان الناس أي قهرهم على الطاعة، ومنه حديث (أريد من قريش كلمة تدين بها لهم
العرب)، أي تطيعهم وتخضع لهم، ويوم الدين: يوم الجزاء، ودانه دينا أي جازاه، والدين
الحساب، والدين: الطاعة، وقد دنته ودنت له أطعته، قال عمرو بن كلثوم :
وأيام لنا غــر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا
والدين
لله: إنما هو الطاعة والتعبد له، ودانه دينا أي أذله واستعبده، ودنته أدينه دينا: سسته
وملكته، ودينته القوم : وليته سياستهم.
والدين:
السلطان والطاعة، وفي حديث
الخوارج (يمرقون من الدين)، قال الخطابي: أراد بالدين الطاعة، أي أنهم يخرجون
من طاعة الإمام المفترض طاعته وينسلخون منها) انتهى من لسان العرب.
وفي
لسان العرب أيضا(وحَيٌّ لَقاحٌ لم يدِينُوا للملوك، ولم يُمْلَكُوا، أَنشد ابن
الأَعرابي:
لَعَمْرُ أَبيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي لَنِعْمَ الحَيُّ في الجُلَّى رِيــاحُ
أَبَوْا دِينَ المُلُوكِ فهم لَقاحٌ إِذا هِيجُوا إِلى حَرْبٍ أَشاحوا).
فقول
الشاعر هنا (أبوا دين الملوك) أي رفضوا طاعتهم والدخول تحت سلطتهم وسلطانهم.
وقال
ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى {ولا يدينون دين الحق} (ولا يطيعون الله طاعة
الحق، يعني أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام، وكل مطيع ملكا وذا سلطان فهو دائن
له يقال منه:(دان فلان لفلان فهو يدين له دينا)، وقال زهير:
لئن
حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك)انتهى.
فهذه
المعاني لكلمة (الدين) في لغة العرب وفي استعمال القرآن تدور حول الطاعة والسلطة
والملك والحكم والقضاء والسياسة والجزاء!
وكل
هذا المعاني متلازمة فيما بينها فإن الملك يقتضي السلطة، والسلطة تقتضي السياسة
وإدارة شئون الملك، وتقتضي الحكم والقضاء بين الناس في شئونهم وقضاياهم، وهذه
تقتضي الطاعة وتنفيذ أحكام السلطة، والطاعة تقتضي الحساب عند ترك الطاعة، والحساب
يقتضي الجزاء والعقوبة، فكلها تدور حول معان واحدة مما يؤكد طبيعة هذا الدين وهو
الإسلام والاستسلام لطاعة الله وحكمه وقضائه، لا للملوك والرؤساء والطغاة، وأنه لا
يمكن فصل الدين لغة وشرعا عن السلطة والحكم والسياسة والقضاء، وكما في الحديث
(لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة)([6])،
بل ولم تفهم العرب من كلمة الدين إلا هذا المعنى وهو الطاعة للنبي صلى الله
عليه وسلم والخضوع لسلطته وحكمه وقضائه كما أمرهم الله بذلك، ولم يفهم العرب بأن
الدين يقتصر على الإيمان القلبي أو الاعتقادي، بل هذا المعنى أي الدين بمعنى
الاعتقاد فقط بلا خضوع ولا طاعة لا يكاد يوجد في لغتهم!
ويؤكد
ذلك ما جاء في لسان العرب أيضا في معنى العبادة والعبودية، ففيه :(أصل العبودية
الخضوع والتذلل، والعبادة الطاعة مع الخضوع {وقومهما لنا عابدون} أي دائنون، وكل
من دان لملك فهو عابد له، {واعبدوا ربكم} أي أطيعوا ربكم) انتهى من
لسان العرب.
وأما
الدين بمعناه الشرعي العام فإنه يشمل ذلك كله (التصديق والعبادة والطاعة) وهو
الإيمان والإسلام والإحسان، أي كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله
من أخبار يجب تصديقها، وأحكام يجب طاعتها وتنفيذها، وتشريعات عقائدية وعملية،كما
قال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}([7])،
وكذا ما جاء في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان ثم قال (هذا
جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) وهو معنى قوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام).([8])
فكل
هذه المعاني تؤكد حقيقة الدين في اللغة وأنه يأتي بمعى الملك والسلطة والطاعة!
وأما
الحديث ورواياته وشروح الأئمة له فكلها تؤكد هذا المعنى الذي ذكرته، لا ما زعمه
السقاف بأنه يتحدث عن الدين لا عن الدولة والخلافة التي يؤرق ذكرها الوسطيون الجدد!
ففي
لفظ رواية أبي داود عن ابن مسعود (تدور رحى الإسلام بخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو
سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما) قال قلت
أمما بقي أو مما مضى؟ قال مما مضى).[9]
وفي
رواية الطبراني (وإن نجوا بقوا سبعين عاما).[10]
وفي
رواية أخرى له (وإن بقوا بقوا سبعين عاما).[11]
وفي
رواية موقوفة عن ابن مسعود (تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين، ثم يحدث حدث عظيم،
فإن كان فيه هلكتهم فبالحري، وإلا تراخى عليهم سبعين سنة، فمن أدرك ذلك رأى ما ينكره).
قال الطبراني (هكذا رواه
أبو الأحوص موقوفا، ورفعه مسروق، وعبد الرحمن بن عبد الله، والبراء بن ناجية).[12]
(وإن يبقوا يبقى لهم أمرهم سبعين سنة).[13]
فهذه
ألفاظ الحديث تارة (دينهم)، وتارة (أمرهم)، وتارة يسند الفعل للصحابة أنفسهم (فإن
بقوا) (فإن نجوا)، وكلها بمعنى واحد، فدينهم وأمرهم ملكهم وسلطانهم، وبقوا ونجوا، أي
داموا هم في ملكهم وسلطانهم!
فهو
يتحدث عن أمر يخص الصحابة رضي الله عنهم، وأنه تحدث فتنة تدور رحاها ما بين سنة 35
و36 و37 ه، وهو ما جرى في قتل عثمان سنة 35 ه، وما جرى في معركة الجمل سنة 36 ه، ومعركة
صفين 37 ه، من اقتتال بينهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه، حيث دارت رحى الإسلام
تطحن أهلها بسبب الفتن، فإن يبق لهم أمرهم وخلافتهم وملكهم بعدها فإلى سنة سبعين،
وهو ما حدث فعلا حيث اصطلح المسلمون وكان التحكيم بين علي ومعاوية ووقف القتال سنة
37 ه، فنجوا وبقوا وبقي الأمر والخلافة فيهم إلى آخر خليفة منهم وهو الصحابي عبد
الله بن الزبير، وقد نازعه عبد الملك بن مروان الذي استقر له الأمر في الشام كله
سنة 70 ه، وهنا كانت بداية نهاية خلافة ابن الزبير، حيث توجه عبد الملك بن مروان بعدها
للعراق وانتزعه من ولاية ابن الزبير، ثم حاصر مكة وقتل ابن الزبير سنة 73 ه، وبهذا
خرجت الخلافة من جيل الصحابة كلية، على ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم!
وكل
شراح الحديث فسروا لفظة (دينهم) بالخلافة والملك، ولم يفسره أحد بمعنى الدين بلا
دولة ولا سلطان سوى السقاف!
قال
الطحاوي (فشاء عز وجل أن كان في سنة خمس وثلاثين فتهيأ فيها على المسلمين حصر إمامهم
وقبض يده عما يتولاه عليهم، مع جلالة مقداره لأنه من الخلفاء الراشدين المهديين حتى
كان ذلك سببا لسفك دمه رضوان الله عليه، وحتى كان ذلك سببا لوقوع الاختلاف وتفرق الكلمة
واختلاف الآراء، فكان ذلك مما لو هلكوا عليه لكان سبيل مهلك لعظمه، ولما حل بالإسلام
منه ولكن الله ستر وتلافى وخلف نبيه في أمته من يحفظ دينهم عليهم ويبقي ذلك لهم، ثم
تأملنا ما بقي من هذه الآثار فوجدنا في حديث مسروق منها عن عبد الله فإن يصطلحوا فيما
بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عاما...).[14]
وقال
ابن حبان في صحيحه (ومعنى هذا الخبر عندنا مما نقول في كتبنا: إن العرب تطلق اسم الشيء
بالكلية على بعض أجزائه، وتطلق العرب في لغتها اسم النهاية على بدايتها، واسم البداية
على نهايتها أراد صلى الله عليه وسلم بقوله (تدور رحى الإسلام على خمس وثلاثين أو ست
وثلاثين)، زوال الأمر عن بني هاشم إلى بني أمية، لأن الحكمين كان في آخر سنة ست
وثلاثين، فلما تلعثم الأمر على بني هاشم وشاركهم فيه بنو أمية أطلق صلى الله عليه و
سلم اسم نهاية أمرهم على بدايته، وقد ذكرنا استخلافهم).[15]
وقد
استدرك ابن حجر عليه فقال بأن أمر الحكمين كان سنة 37 ه وهو الصحيح.
وقال الخطابي (وقوله (وإن
يقم لهم دينهم) يريد بالدين ههنا الملك.
قال زهير :
لئن حللت بجوٍ في بني
أسد
في دين عمرو وحالت بيننا
فدك
يريد ملك عمرو وولايته).[16]
وقال
البيهقي : (وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان فيها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين
ثم إلى الفتن التي كانت في أيام علي، وأراد بالسبعين والله أعلم ملك بني أمية فإنه
بقي ما بين أن استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بني أمية
ودخل الوهن فيه نحوا من سبعين سنة).[17]
وقال
ابن الجوزي (يريد بدوران الرحى استقامة الأمر، ويمكن أن يريد بذلك زوال الاستقامة،
بدليل أنه في بعض ألفاظ الحديث (إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة أو ست وثلاثين
أو سبع وثلاثين)، وذكر الزوال أبين والمعنى تزول الرحى عن استقرارها، فإن كانت الرواية
سنة خمس ففيها قدم أهل مصر وحصروا عثمان، وإن كانت سنة ست ففيها خرج طلحة والزبير إلى
الجمل، وإن كانت سنة سبع ففيها كانت صفين فتغيرت الأحوال في هذه الأشياء، ثم استقام
الملك إلى انقراض ملك بني أمية، وعادت الفتن وفي بعض ألفاظ الحديث إن رحى الإسلام
ستزول بعد خمس وثلاثين سنة، فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا،
وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم..
وقال
الخطيب (قوله تدور رحى الإسلام) مثل يريد به أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام
أمر عظيم يخاف لذلك على أهله الهلاك، يقال للأمر إذا تغير واستحال قد دارت رحاه وهذا
- والله أعلم - إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة، وقوله يقم لهم دينهم أي ملكهم وسلطانهم،
والدين الملك والسلطان ومنه قوله تعالى (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك )، وكان
بين مبايعة الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان إلى انقضاء ملك بني أمية من المشرق نحو
من سبعين سنة..).[18]
وقال
الحافظ ابن حجر (قال الخطابي (رحى الإسلام) كناية عن الحرب شبهها بالرحى التي تطحن
الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح، والمراد بالدين في قوله (يقم لهم دينهم) الملك
قال فيشبه أن يكون إشارة إلى مدة بني أمية في الملك وانتقاله عنهم إلى بني العباس،
فكان ما بين استقرار الملك لبني أمية وظهور الوهن فيه نحو من سبعين سنة، قلت لكن يعكر
عليه أن من استقرار الملك لبني أمية عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين
إلى أن زالت دولة بني أمية فقتل مروان بن محمد في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة أزيد
من تسعين سنة، ثم نقل عن الخطيب أبي بكر البغدادي قوله تدور رحى الإسلام مثل يريد أن
هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف بسببه على أهله الهلاك يقال للأمر
إذا تغير واستحال دارت رحاه، قال وفي هذا إشارة إلى انتقاض مدة الخلافة، وقوله يقم
لهم دينهم أي ملكهم، وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض ملك بني أمية
نحوا من سبعين..).[19]
فهؤلاء
هم شراح الحديث قاطبة ابتداء من الطحاوي وابن حبان والخطابي والبيهقي والخطيب
البغدادي وابن الجوزي والحافظ ابن حجر كلهم فسروا الحديث ولفظ الدين فيه بمعنى
الملك والخلافة، كما ذكرته أنا في التحرير، وليس كما زعم السقاف بأن الحديث ذكر
الدين فقط ولم يذكر الدولة والخلافة، ليتوصل إلى تقرير بدعته التي ابتدعها وأراد
ترويجها هو وشيعته بأنه قد يقوم دين الإسلام بلا دولة ولا خلافة، فضلا عن سنن
الخلفاء الراشدين، التي شرق بها الوسطيون الجدد!
الوجه
الثاني :
كشف
السقاف في المأخذ رقم 6 - فيما أثاره حول الخطاب المنزل ومراحله، وزعمه بأني مضطرب
في تحديد زمن الخطاب - عن عجز ظاهر في فهم كتاب (الحرية) وقضيته الرئيسية، فضلا عن
قدرته على نقده!
فالسقاف
لا يفرق بين :
1-
مرحلة
الخطاب السياسي المنزل، كفترة زمانية ذات
طابع سياسي مختلف عما بعدها، ويتصدرها عهد الخلفاء الراشدين الذي حدده الشارع
بالنص كمعيار يجب الاحتكام إليه، كما في حديث (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة)،
وحديث (تكون النبوة ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، وحديث (عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين)، وهم الخلفاء الأربعة، وقيل خامسهم الحسن بن علي، وتنتهي مدتهم
سنة 40 ه، هذا من جهة.
2-
والخطاب السياسي المنزل
نفسه، وهو أحكام القرآن السياسية وسنن النبي صلى الله
عليه وسلم وسنن الخلفاء الراشدين في الحكم وسياسة الأمة، التي أمر الشارع بالتمسك
بها في كل عصر، والتي قد تستعيد الأمة تطبيقها في أي عصر من عصورها، بل هو الواجب
عليها، كما فعل عمر بن عبد العزيز حتى عد من الخلفاء الراشدين، وهو ما سيأتي أيضا
بعد الملك الجبري والطاغوتي بنص الحديث (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)!
وقد قلت في أول كتاب
(الحرية أو الطوفان) :
(يمكن
تقسيم المراحل التاريخية للخطاب السياسي الإسلامي، وهو منظومة الأحكام والقواعد
التي يقوم عليها نظام الحكم فـي الدولة الإسلامية، إلى ثلاثة مراحل رئيسة، لكل
مرحلة ملامحها ومعالمها التي تميزها عن المراحل الأخرى :
المرحلة
الأولى: مرحلة الخطاب السياسي الشرعي المنـزَّل :
وهي
المرحلة التي تمثل تعاليم الإسلام كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، هذه
المرحلة التي تبدأ تاريخيا بقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، بعد هجرة
النبي صلى الله عليه وسلم إليها، إلى آخر عهد خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير
(سنة 73هـ)، مع ما تخللها في آخرها من انحراف يعد بداية نهاية هذه المرحلة).
فقد
فرقت في هذه العبارة بجلاء بين (الخطاب السياسي المنزل) كمنظومة من القواعد
والأحكام التي يجب العمل بها في كل عصر، و(مراحل الخطاب السياسي الإسلامي) كفترات
زمانية، قسمتها إلى ثلاث مراحل، كما حددها الشارع أيضا!
وقلت
أيضا في بداية الحديث عن مرحلة الخطاب المؤول :
(وقد
انتهى عصر الخلفاء الراشدين سنة 40هـ، وبدأ العصر الأموي حيث بدأ تراجع الخطاب
السياسي الممثل لتعاليم الدين المنـزل، وبدأ خطاب سياسي يمثل تعاليم الدين المؤول
حيث بدأ الاستدلال بالنصوص على غير الوجه الصحيح الذي أراد الله ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أول من يغيّر
سنتي رجل من بني أمية)).([20])
وقلت
(وقد بدأت هذه المرحلة بعد عهد الخلفاء الراشدين وفي أواخر عهد معاوية - رضي الله
عنه - وامتدت إلى سقوط الخلافة العثمانية، وقد تفاوتت هذه المرحلة في شدة تراجعها
عن مبادئ تعاليم الدين المنـزل في خطابها السياسي في عصورها المختلفة)!
فهنا
ذكرت بداية الخطاب المؤول وبوادر حدوث الخلل، في أواخر مرحلة الخطاب المنزل نفسه، وقبيل
انتهائها، كمرحلة زمانية، وقبل ابتداء مرحلة الخطاب المؤول زمنيا بعد سنة 73 ه.
ففرقت
بين بدايات الخطاب المؤول وبوادر الانحراف كمحدثات وممارسات والتي بدأت قبيل (مرحلة
الخطاب المؤول) كفترة زمانية غلب عليها هذا الخطاب حتى عرفت به!
وقلت
في كتاب (تحرير الإنسان) ص 554 :
(الفصل الثاني: ملامح الانحراف عن أصول الخطاب السياسي
الراشدي:
فمع أن الخلافة الراشدة انتهت كمرحلة زمنية سنة 40 هـ، إلا
أن الخطاب السياسي الراشدي نفسه - كقيم ونظم وقواعد - ظل حاكما للدولة ومهيمنا
عليها – مع حدوث الخلل في آخرها - إلى وفاة آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن
الزبير سنة 73 هـ، على ما جاء في حديث ابن مسعود (تدور رحى الإسلام على خمس
وثلاثين وست وثلاثين وسبع وثلاثين، فإن يهلكوا فبسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم
يقم لهم سبعين سنة مما مضى).[21]
وهذه هي المدة التي حكم فيها الصحابة رضي الله عنهم ـ
وهم المخاطبون بهذا الحديث ـ وآخرهم عبد الله بن الزبير، الذي استشهد سنة 73 هـ، إذ
بدأ عهد استخلاف التابعين بعده على يد عبد الملك بن مروان، أما يزيد فلم يستقر له
أمر ولا يدخل في عداد الخلفاء على القول الصحيح، إذ خرج عليه أهل المدينة وأهل مكة
وأهل نجد وأهل العراق، ولم تطل مدته.
وقد كان معاوية يتشبه بعمر ويتبع سننه إلى آخر أيامه،
حيث بدأ يظهر الخطاب المؤول،كما كان عبد الله بن الزبير يسير بالناس سيرة عمر، إلا
أنه بدأ التراجع التدريجي في الخطاب السياسي الراشدي الممثل لتعاليم الدين المنـزل
في آخر هذه المرحلة، وبدأ يظهر شيئا فشيئا خطاب سياسي يمثل تعاليم الدين المؤول، وبدأت
بوادر عصر الخير الذي فيه دخن، حيث بدأ التأويل والاستدلال بالنصوص على غير الوجه
الصحيح الذي أراد الله ورسوله، وقد بدأ هذا التراجع بعد عهد الخلفاء الراشدين، وفي
أواخر عهد معاوية رضي الله عنه، حين عهد بالأمر إلى يزيد، إلا أنه لم يدم الأمر
ليزيد، ولا استقر له، ولم يصبح خليفة، بل كان زمانه زمان فتنة، ثم جاء ابن الزبير
وأحيا سنن الخلفاء الراشدين، وسار على هديهم نحو عشر سنين، حتى قتله الحجاج سنة
73هـ، ليبدأ مع عبد الملك بن مروان ظهور خطاب سياسي جديد مؤول، فانتهى بذلك عصر
الخطاب السياسي الراشدي الذي استمر ستين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،
ثلاثين سنة في عهد الخلفاء الراشدين، وثلاثين سنة أخرى بعد الخلفاء الراشدين، حيث
خرجت الخلافة كلية من جيل الصحابة وآخرهم ابن الزبير، وبدأ جيل التابعين بخطاب
جديد، وقد تفاوتت هذه الفترة في خفة وشدة تراجعها عن الخطاب الراشدي، في خطابها
السياسي في عصورها المختلفة، الذي بدأت بوادره في آخر عهد معاوية، وظهر جليا على
يد عبد الملك بن مروان.
الخطاب السياسي الموؤل وتجلياته:
لقد تجلى الخطاب السياسي المؤول بأوضح صوره باغتصاب عبد
الملك بن مروان الخلافة بالسيف سنة 73 هـ، فكان أول خليفة يستولي على الخلافة
قهرا، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحدوث هذا الانحراف ومن ذلك ما جاء
في الحديث الصحيح (يهلك أمتي ـ أو الناس ـ
هذا الحي من قريش، فلو أن الناس اعتزلوهم)، وفي رواية (هلكة أمتي على يد غلمة
سفهاء من قريش)، قال الراوي (فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام، فإذا
رآهم غلمانا أحداثا قال لنا :عسى هؤلاء أن يكونوا منهم)، وفي لفظ(فساد أمتي على يد
غلمة سفهاء من قريش).([22])
وقلت
في ص 555 حاشية رقم 2 (قد يرى بعض الباحثين بأن الصواب تأريخ الخطاب المؤول من سنة ستين للهجرة
حين بويع يزيد بن معاوية، وهو قول قوي لولا أنه يشكل عليه أن عبد الله بن الزبير
صحابي وخليفة راشد، وكان أشبه بعمر في هديه وسيرته، وقد دام عهده نحو عشر سنين إلى
سنة السبعين ونيف، وبويع بالشورى والرضا، بينما يزيد لم يستقر له الأمر ولا يدخل
في عداد الخلفاء على الصحيح، إذ لم يدم عهده سوى أربع سنين، خرج عليه فيها أهل
الحجاز، وأهل العراق، وأهل نجد، وفي حديث ابن مسعود إشارة إلى تحول الأمر بعد
سبعين سنة، وهو ما حدث فعلا على يد عبد الملك الذي قهر الأمة بالسيف، وتولى الأمر
عنوة واستقر له الأمر مدة عشرين سنة، وهو ما لم يتحقق ليزيد، وعلى كل حال فلا
مشاحة في تحديد التاريخ، وإنما المقصود تمييز الأصول الصحيحة المنزلة للخطاب
السياسي الإسلامي من الأصول المبتدعة المؤولة والمبدلة.).
فهل
قرأ السقاف حقا كتاب الحرية وكتاب التحرير الذي وضع صورة غلافيهما في موقعه فوق
عنوان الدراسة النقدية بجانب اسمه!
وما
هو المشكل عليه في فهم هذه العبارات؟
فهناك
شيء اسمه عهد (الخلفاء الراشدين) وهم أربعة خلفاء محصورون بالعدد والزمن (خلافة
النبوة ثلاثون سنة) وتنتهي مدتهم سنة 40 هـ، وسننهم هي المعيار الذي يحتكم إليه
كتطبيق بشري محض لهدايات الكتاب والسنة السياسية!
وهناك
شيء اسمه (الخطاب السياسي المنزل) الذي هو الأحكام نفسها الواردة في الكتاب والسنة
وسنن الخلفاء الراشدين.
وهناك شيء ثالث اسمه (مرحلة الخطاب السياسي
المنزل) وهي المدة الزمانية التي ظل فيها (الخطاب المنزل) سائدا كخطاب ونظام للحكم
حتى آخر خليفة صحابي، وهو عبد الله بن الزبير الذي استشهد سنة 73 ه، مع أني ذكرت
بأن بدايات التأويل حدثت في أواخر هذه المرحلة وقبل انتهائها، إلا إنها لم تغلب
عليها ولا يمكن تحديدها بها، كما جرى بعد ذلك!
وقد
بينت السبب في هذا التحديد لفترة الخطاب المنزل وهو :
1-
لما ورد في حديث ابن مسعود (تدور رحى الإسلام .. وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين
عاما).
والمخاطب
هم الصحابة رضي الله عنهم، والدين هنا هو السلطان والملك، كما في قوله تعالى {كذلك
كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} ودينه ملكه وسلطانه!
2-
ولأن عبد الله بن الزبير صحابي وخليفة راشد وفقيه عادل زاهد كما وصفه المؤرخون،
وهو آخر صحابي خليفة، وآخر من اختارته الأمة وجاءته البيعة بالشورى والرضا من كافة
الأمصار وهو في مكة، ولم ينازعه إلا مروان في حمص.
3-
ولأن بعده حكم عبد الملك بن مروان وهو أول خليفة يأخذها بالسيف بلا شورى للأمة،
ولا استخلاف عن شورى الأمة ممن قبله، وهذا بخلاف حال معاوية الذي اجتمع عليه
المسلمون عام الجماعة وبايعه الحسن والحسين وآل البيت طوعا واختيارا جمعا لكلمة
الأمة، وتوفي سنة 60 ه، وعهد بالأمر لولده يزيد سنة 56 ه وهذه بداية الخلل، حيث خرجت
عليه الأمة بعد توليه، وكان زمانه زمن فتنة مدة أربع سنين، ثم بويع معاوية بن يزيد
فأرجع الأمر للأمة شورى وخرج منها، وبويع ابن الزبير في مكة وظل خليفة حتى سنة 73
ه.
ثم
بعده دخلت الأمة طورا سياسيا جديدا ومرحلة زمانية جديدة اسميتها (مرحلة الخطاب
السياسي المؤول) وهي عصور الخلافة العامة التي وقع ما وقع فيها من دخن، حتى سقطت،
وذكرت أن هذه المرحلة نفسها لم تخل من خلفاء مصلحين راشدين أحيوا سنن الخطاب
المنزل، إلا أن المرحلة كمرحلة ظلت ذات طابع سياسي واحد (خلافة بني أمية، خلافة
بني العباس، خلافة بني عثمان)، ثم دخلت الأمة بعد سقوط الخلافة مرحلة جديدة أسميتها
مرحلة (الخطاب المبدل)!
وهذا
التقسيم أيضا ذكرته بناء على الأدلة من السنة ومن تاريخ الأمة، وقد قسم حديث حذيفة
في الصحيحين الأطوار التي تمر بها الأمة إلى ثلاثة أطوار :
1-
خير محض وهو عهد النبوة والخلافة الراشدة.
2-
خير فيه دخن وهو عهد الخلافة العامة وفيه أمراء (يهتدون بغير هديي ويستنون بغير
سنتي تعرف منهم وتنكر) كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
3
- شر محض وفيه يقوم (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها)، وقد جعل النبي
صلى الله عليه وسلم العصمة للأمة من هذه الفتنة العامة بالخلافة الواحد والأمة
الواحدة، حيث قال لحذيفة (الزم جماعة المسلمين وإمامهم)، (إن كان لله خليفة
فالزمه)!
والسؤال
هل يشك أحد في هذه المراحل التاريخية من تاريخ الأمة وما بينها من تمايز ظاهر جلي
في ملامح كل مرحلة ومعالمها؟
فهناك
مرحلة (عهد النبوة والخلافة الراشدة) ولها خطابها السياسي المميز لها الذي عبر عن مضامين
الخطاب القرآني والنبوي والراشدي وهو (الخطاب المنزل).
وهناك
مرحلة (الخلافة العامة) التي امتدت منذ 73 ه حتى سقوطها وإنهائها في الحرب
العالمية الصليبية الأولى، كما جاء في الصحيحين (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة
الأول فالأول)، وهي مرحلة لها خطابها المميز، وليست كالخلافة الراشدة قطعا، وإن
كانت قد حافظت على بعض أصول الخطاب المنزل - كالخلافة ووحدة الأمة ووحدة دار
الإسلام ومرجعية الشريعة واستقلال القضاء والجهاد دفعا وطلبا - إلا إنه حدث تراجع
وخلل في أصول أخرى بالتأويل - كالحكم العضوض وتراجع الشورى والتصرف في بيت المال -
وهو (الخطاب المؤول)!
وهناك
مرحلة (ما بعد الخلافة) وهي العصر الحديث - حيث لا خلافة ولا أمة واحدة ولا مرجعية
للإسلام ولا جهاد لحماية الأمة - وقد تشكل فيه خطاب سياسي ينتمي للإسلام اسما لا
حقيقة، أجاز كل هذه التراجعات فاعترف بالدول الوطنية والقومية التي أقامتها الحملة
الصليبية، والقوانين الوضعية، والأنظمة الطاغوتية التي فرضها الغرب والخضوع للأمم
المتحدة ومجلس الأمن .. الخ وهو (الخطاب المبدل)!
فهل
ينازع السقاف في التمايز بين هذه الحقب الثلاث؟!
فإذا
وافق السقاف - ولن يجد بدا من الموافقة - فقد بقي الخلاف في هل ما بين سنة 40 ه
إلى 73 ه تدخل في المرحلة الأولى أم الثانية؟
وقد
قلت في حاشية كتاب الحرية نفسه بأنه لا مشاحة في تحديد فترة امتداد هذا الخطاب،
حيث العبرة بالمعيار الذي يجب لزومه والاحتكام إليه وهو (سنن النبوة) و(سنن
الخلافة الراشدة) وهم الخلفاء الأربعة، وإنما البحث في امتداد هذا الخطاب - كممارسة
والتزام - وغلبة معالمه على العصر من حيث العموم، حيث توالى على الخلافة سبعة من
الصحابة أربعة من الكبار وثلاثة من الصغار : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن
ومعاوية وابن الزبير، ولم اعتد بخلافة يزيد لعدم صحتها كما نقلته عن ابن الجوزي،
وكما جاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود (ويزيد بن معاوية ساقط من هذا البين لعدم
استقراره مدة يعتد بها وسوء سيرته).[23]
وقد
جاء بعده عبد الله بن الزبير وهو صحابي فقيه راشد، وبايعته الأمة في كل الأمصار
بالشورى، فانتظمت المرحلة من جديد، بعدما وقع من فتن مدة أربع سنين بعد وفاة
معاوية رضي الله عنه.
وليس
هؤلاء الصحابة كمن جاء بعدهم إلى قيام الساعة كما ثبت بالنصوص، ولما ورد في فضلهم
وفضل قرنهم رضي الله عنهم، ولا يمكن مقارنة المرحلة التي حكم فيها هؤلاء الصحابة وكانوا
فيها خلفاء للأمة، بالتي استخلف فيها التابعون ومن بعدهم، ولا يمكن نسبة التغيير
والتبديل إليهم، كما جاء في حديث الافتراق وما أمر به من لزوم (ما أنا عليه
وأصحابي)!
فقد
رأيت أن معاوية رضي الله عنه بويع عام الجماعة بالرضا وعقد له البيعة سيدا شباب
أهل الجنة الحسن والحسين ومعهم آل البيت، وبايعت الأمة معاوية خليفة عليها بعد
بيعتهما، ولولا أنه أهل للخلافة وقد توفرت فيه شروط الإمامة لكانت التبعة في بيعته
على الحسن والحسين، ولكانا هما أول من سن في الإسلام سنة سوء، ولكانا شركاء في هذا
الإحداث في الدين والتبديل، حيث خرجا منها، وتنازل الحسن عنها، وبايعا رجلا غير
عدل وغير أهل للولاية على الأمة في أعظم شئونها وهي الخلافة، وهو من التعاون على
الإثم والعدوان لو كان معاوية غير عدل ولا أهل، وكان بإمكانهما على أقل أحوالهما
اعتزال الأمر ورده إلى الأمة شورى تختار من تراه أهلا للولاية، فلما فعلا ذلك وهما
سيدا شباب أهل الجنة المشهود لهما بالفضل والإمامة في الدين، ثبت يقينا صحة عقد
البيعة التي عقداها لمعاوية وأنه كفؤ وأهل لها، ولم تجتمع الأمة عام الجماعة إلا
على هدى ورشد ورحمة، وقد اشترط المسلمون على معاوية رضي الله عنه أن يسير بهم سيرة
الشيخين أبي بكر وعمر كما ذكرته في التحرير، واجتهد أن يقوم بذلك سبع سنين من
خلافته، ولو وقع في عهده ما يوجب فسخ البيعة لكان الحسين وآل بيته أول من يخرج
عليه، فلما لم يخرجوا عليه، وكانوا يجاهدون معه ويأخذون عطاءهم منه، ثبت استقامته
في خلافته، وإن لم يكن معصوما من الخطأ، كما لم يكن علي وعثمان اللذين تأولا في
الدماء والأموال معصومين، ولم يخرجا بذلك التأويل من عداد الخلفاء الراشدين ولا من
مرحلة الخطاب المنزل، ولهذا لم يتردد الحسين في الخروج على يزيد بعد وفاة معاوية،
لأنه لم ير أنه يسعه الدخول تحت ولايته والبيعة له وهو ليس أهلا لها، بخلاف موقفه
من معاوية، وإلا لكان الحسين متناقضا حين يبايع معاوية عشرين سنة ويسمع له ويطيع،
ويخرج على يزيد من أول سنة، لولا أنه كان يرى الفرق بين معاوية وأهليته للخلافة
وصحة بيعته واستقامة أمره، وعدم صحة بيعة ابنه يزيد وعدم أهليته، مما يؤكد امتداد
مرحلة الخطاب المنزل إلى هذه المرحلة وهي سنة 60 ه، ثم وقع اضطراب باستخلاف معاوية
ليزيد وعهده بالأمر إليه، فاعترض عليه كبار الصحابة وفقهاؤهم آنذاك، ولم يستقر
الأمر ليزيد، وخرجت عليه الأمة، ولا يعد خليفة على الصحيح، بل كانت الدولة حينها في
زمن فتنة وصراع داخلي، وبعد وفاة يزيد سنة 64 ه، بايعت الأمة الصحابي عبد الله بن
الزبير بالشورى والرضا حتى جاءته البيعة من كل الأمصار بلا إكراه، وكان خليفة
راشدا وفقيها عادلا، كما وصف بذلك، فامتدت مرحلة الخطاب السياسي المنزل مدة
خلافته، على ما طرأ في أواخر هذه المدة من فتن وخلل، حتى بدأ عهد جديد، وحدث أمر
عظيم لم يسبق حدوثه، وهو الأخذ للخلافة بالسيف على يد التابعي عبد الملك بن مروان،
فكان يصدق فيه حديث (أول من يغير سنتي رجل من بني أمية)، ولهذا جعلت هذا الحدث هو
الفيصل التاريخي بين عصرين مختلفين، ما قبل عهد عبد الملك وهو (عهد خلافة
الصحابة)، وما بعده وهو (خلافة التابعين ومن بعدهم)، لتمايز ما بينهما تمايزا
ظاهرا!
فهناك
تاريخان مهمان الأول سنة 40 ه، حيث انتهت الخلافة الراشدة والخلفاء الراشدون،
والثاني سنة 73 ه، حيث انتهت مرحلة (خلافة الصحابة)، ومدة امتداد الخطاب المنزل
كمنظومة وقواعد للحكم وإدارة شئون الأمة السياسية وفق سنن الخلفاء الراشدين!
أما
سنة 106 ه فهي من كيس السقاف وليس لهذا التاريخ أي دلالة عندي، ويبدو أنه خلط بين
قول ابن حبان وبين كلامي! فأراد تكثير الأرقام ليوهم القراء بتناقض كتاب (الحرية
أو الطوفان)!
فليس
فيما ذكرته في الحرية والتحرير اضطراب كما توهم السقاف، ولا ما يدعوه إلى أن يضحك
من غير سبب! ولا أن يعجب من غير عجب!
وأعجب
من ذلك حين يستدرك السقاف كيف تكون المرحلة كلها مرحلة (خطاب مؤول) وفيها علماء
وعباد وصلحاء ويقول (الناظر بعين الإنصاف والبصيرة يجد أن هذه الأحكام لا تنطبق
على كل هذه المرحلة الزمنية الكبيرة، ولا على معظمها.. هذا مع وجود كثرة كاثرة من
الفقهاء والعباد والصالحين ..) ثم يحتج السقاف بحديث (يبعث على كل مائة عام من
يجدد لهذه الأمة أمر دينها)، لينتهي إلى هذه النتيجة (وأما القول باجتماع الفساد
العلمي والعملي لمئات السنين ففيه إبطال لدلالة الحديث) الخ
فقد
حال بين السقاف وكتاب (الحرية أو الطوفان) بحران زاخران بينهما برزخ لا يبغيان!
فهو
يقرأ كما يشاء، ويفهم كما يحلو له، ويستنتج كما يهوى، بلا ضابط ولا قيد!
فالكتاب
يتحدث عن (الخطاب السياسي ومراحله) والسقاف يتحدث عن كثرة الفقهاء والعباد والصلحاء
الذين يعظون الخلفاء!
ثم
أين ذكرت اجتماع الفساد العلمي والعملي مئات السنين في كتبي!
من
أين جاء السقاف بكل هذه الأوابد!
هذا
مع تصريحي في الحرية نفسه باستمرار دعوات الإصلاح والتجديد حيث قلت :
(لقد
سبق الحسن البصري أن دعا الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز إلى هذه الدعوة،
وهذا هو عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي البصري يكرر الدعوة - إلى مجلس شورى - بعد
خمسين سنة للخليفة العباسي العادل المهدي بن المنصور، ويحدد له كيفية تطبيق هذا
المبدأ .
ويبدو
أن أهل البصرة ظلوا يتطلعون إلى إقامة الشورى وفق
نظريتهم السياسية التي ظلت أقرب النظريات إلى مبادئ الخطاب السياسي في العهد
الراشدي؛ ولهذا كان فقهاؤها يرون (أن رضا أهل الاختيار لبيعة ولي العهد شرط في
لزومها للأمة؛ لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم).([24])
وقلت
أيضا (إلا أن التاريخ الإسلامي خاصة في المغرب والأندلس لم يخلُ من محاولات لتنفيذ
مثل هذا المشروع، فقد كان للخليفة الناصر لدين الله
الأموي الأندلسي –
ت350 هـ - مجلس لشورى الفقهاء، بلغ من نفوذهم أن طلب منهم الخليفة أن يبيعوه وقفًا
من أوقاف المرضى بقرطبة بجوار قصره على أن يدفع لهم قيمته أضعافًا مضاعفة، وشكا
إلى قاضي قرطبة ابن بقي، وطلب منه أن يكلم الفقهاء في ذلك، فرفضوا طلبه؛ لأنه أرض
موقوفة لها حرمة الوقف، فغضب الخليفة وأمر الوزراء بالتدخل للضغط على الفقهاء، (فجرت
بينهم مناقشة ولم يصلوا معهم إلى حلّ…).([25])
وقلت
أيضا (كما جاء في ترجمة السلطان العادل علي بن يوسف بن تاشفين ملك المرابطين في
المغرب - ت537
هـ -
أنه (كان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، وكان إذا ولَّى أحدًا
من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرًا، ولا يبتّ حكومة في صغير ولا كبير،
إلا بمحضر أربعة من الفقهاء).([26])
وقلت
أيضا (لقد كان كثير من الخلفاء والملوك أهل صلاح وعدل وفضل، وحرص على اتباع
أحكام الشرع وتنفيذها).
وقلت
كذلك (إلا أن الأوضاع في العالم الإسلامي لم تصل إلى ما وصل إليه الحال في أوربا
من الاضطهاد الديني بين الطوائف المسيحية إلى حد الاستئصال كما بين البرتستانت
والكاثوليك، ولم يصل انتهاك حقوق الإنسان فيها إلى ما وصل إليه الحال هناك؛ إذ ظل
الخطاب السياسي المؤول في المرحلة الثانية محافظًا على الحد الأدنى من الحقوق
والحريات التي صانتها الشريعة، كما أن استقلال السلطة القضائية والتشريعية
المتمثلة بالقضاء والفقهاء حال دون شيوع الاستبداد والظلم على النحو الذي شاع في
أوربا؛ إذ ظل القضاء بين الناس قائمًا على الشريعة، فكانت حقوق الأفراد وحرياتهم
محفوظة، وقد تميزت
هذه المرحلة بظاهرة (المستبد العادل))!
وقد
ذكرت الدعوات الإصلاحية والتجديدية حتى في مرحلة الخطاب السياسي المبدل بعد سقوط
الخلافة، وذكرت ما قام به المصلحون كرشيد رضا وحسن البنا وأحمد شاكر وسيد قطب
..الخ
فكيف
يزعم السقاف بأني أقول (باجتماع الفساد العلمي والعملي طوال مئات السنين)!
وقد
صرحت بوضح عما غاب في هذه المرحلة وهو دور الأمة في ختيار الخليفة بالشورى والرضا،
والرقابة على بيت المال، كما كان في عهد الخلفاء الراشدين حيث قلت (ومع كل هذا
التفصيل والثراء الفقهي في هذا الموضوع، إلا أنه ظل بحثًا نظريا بعيدًا عن الواقع
الذي سيطرت عليه نظرية الاستيلاء بالقوة، وهي الطريقة التي أجازها من
أجازها اضطررًا ومراعاة للمصلحة، فإذا بها تصبح أصلاً للوصول إلى السلطة مدة ألف
وثلاثمائة وخمسين سنة).
فهل
السقاف ينفي بأن تولي الخلافة، وإدارة شئون الأمة، وسياسة الدولة في عهد الخلفاء
الراشدين والصحابة الآخرين من بعدهم،، تختلف كلية عن تولي الخلافة وإدارة شئون
الدولة والأمة بعد ذلك في العهد الأموي والعباسي والعثماني أم لا؟!
إن
كان ينفي فقد رجع إلى الحق، ووافق ما جاء في كتاب الحرية من التفريق بين المراحل
الثلاث، وإن كان لا ينفي بأن هناك فرقا بين المراحل فقد عاد للمكابرة!
على
أن هذا كله ليس هو بيت القصيد، ولا مربط الفرس، وكل هذه اعتراضات شكلية، بعد أن
هدم السقاف القضايا الرئيسة، فهو أصلا لا يرى ضرورة الدولة في الإسلام، ولا وجوب
الخلافة، فضلا عن سنن الخلفاء في سياسة شئون الأمة!
فالقضية
الرئيسة في الكتاب هي هل هناك نظام سياسي إسلامي واضح المعالم، وهل هناك سنن راشدة
للحكم في الإسلام كما جاءت في الكتاب والسنة وسنن الخلفاء الراشدين، يمكن للأمة
اليوم الاهتداء بها في سياسة شئونها أم لا؟ وهل يجب على الأمة بعثها والدعوة إليها
والعمل بها أم لا؟
فمن
وافقني على هذا الأصل العظيم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به بقوله (عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، فما وراءه من قضايا أخرى ليست سوى أمور ثانوية
وخلافات جزئية!
وما
زلنا مع هذه القضية وشبه السقاف حول كتاب الحرية فللحديث بقية!
([1]) أحمد في
المسند ح2017 ،والترمذي ح3232 وقال(حسن صحيح).
([3]) المغازي
والسير لمحمد بن إسحاق بتهذيب ابن هشام 2/131.
([6]) صحيح
ابن حبان ح رقم 6601 .
[10] المعجم الكبير للطبراني
- (8 / 499)
[11] المعجم الكبير للطبراني
- (9 / 15)
[12] المعجم الكبير للطبراني
- (8 / 166)
[13] مسند البزار -
(1 / 309)
[14] بيان مشكل الآثار
ـ الطحاوى - (4 / 136)
[15] صحيح ابن حبان
(15 / 46)
[16] معالم السنن للخطابي
288 - (4 / 340)
[17] دلائل النبوة
(6 / 394)
[18] كشف المشكل من حديث
الصحيحين - (1 / 290)
[19] فتح الباري (13
/ 213)
([20]) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ح رقم (1749) وقال الألباني
: (لعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثة) وهو الظاهر.
([21]) صحيح
ابن حبان ح 6550 .
([22]) صحيح
البخاري ح 3604 و3605 و 7058 ،ومسلم ح 2917 .
([24])
الأحكام السلطانية للماوردي ص 11 .
([25])
الاعتصام للشاطبي ص 399 .
()
المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 171 .