بقلم أ.د. حــاكم المـطـيري
20 جمادى الآخرة 1435هـ
20 إبريل 2014 م
التوحيد القرآني والتوحيد السلطاني
يكمل الكاتب إبراهيم السكران إجابته - سنة 2009م قبل الثورة العربية - عن سؤال من سأله عن كتاب (الحرية أو الطوفان) وكتاب (تحرير الإنسان) فيقول:
(وبالمناسبة ... هو - أي حاكم المطيري - في هذا الاتجاه (أعني اختزال الإسلام في الحرية السياسية) يتقارب كثيرًا مع د. النفيسي، ود. عبد الله الحامد، ود. الأحمري، ومهنا الحبيل، وبقية المجموعة النضالية السياسية التي تكتب في مجلة العصر.
أعني أن مشكلة د. حاكم بأنه ارتبكت في ذهنه أولويات خطاب الشريعة، فهو يجعل الحرية السياسية ليست رأس أولويات الشريعة فقط، بل الأولوية الوحيدة، ويصور كل اهتمام بسواها على أنه يحلب في قدح المستبد...
وأما من جهة التأصيل الكلي لقضايا (الفقه السياسي السني) فالكتاب فيه ثغرات كبيرة جدًا، من أمثال: التعسف في حمل دلالة بعض الأدلة، والتغييب التام لنصوص الطاعة الوفيرة في الصحيحين (لأنه ليس لديه جواب عنها ففضل تحاشيها)، وإهدار الاعتبارات الشرعية التي حملت أئمة أهل السنة على ذم الخروج المسلح: كعمل الصحابة مع المتغلبين، وقاعدة موازنة المصالح والمفاسد، وإشارات النصوص إلى التغلب). انتهى كلام إبراهيم السكران!
والإجابة عن هذه الشبه من وجوه:
الوجه الأول: ظهر جليا من كلام السكران نفسه أن سبب الأزمة عنده التي يعانيها من د حاكم وكتبه ومن هم على شاكلته من الأحرار، هي قضية (الحرية السياسية)، و(طاعة ولي الأمر) (وحكم المتغلب)، و(الخروج المسلح)، هذه القضايا التي لا يؤرق طرحها في هذا العصر إلا الطغاة والأنظمة الوظيفية وسدنتهم ومن ورائهم الاحتلال الأمريكي ومشروع سايكس بيكو الذي لا يعيره السكران أي قيمة وهو يتحدث عن الخروج وطاعة ولي الأمر وحكم المتغلب! وكأنه يتحدث عن واقع غير الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم تحت الاحتلال الصليبي!
ثم لا يتورع السكران - من أجل إثبات صحة نظريته - عن الافتراء في كل سطر من مقاله، حتى زعم أن د حاكم يختزل الإسلام كله في (الحرية السياسية)، وليست فقط رأس أولويات الشريعة عنده، بل هي الأولوية الوحيدة!
من أين جاء السكران بهذا الاستنتاج؟
ومن أي نص استفاده من كتبي؟
كل هذه الأسئلة لا يهم السكران أن يجيب عنها! فالمهم عنده وعند فئته التحذير من كتب د حاكم وصرف الناس عنها وكفى!
ولا أظن أن السائل المجهول نفسه كان يريد إجابة بقدر ما كان يريد مقالا تحذيريا من كتب د حاكم، وترويجه في وسائل التواصل، دون معرفة اسم المجيب وشخصه ودون معرفة السائل نفسه! بعد أن أمر ولي الأمر بحظر بيع كتب د حاكم في المكتبات ومعارض الكتب، ولا بد من كتّاب وأرباب أقلام كالسكران يدافعون عن مثل هذا المنع، بالطعن في دين المؤلف وعقيدته وكتبه، حيث قام ولي الأمر بمسئوليته في الحفاظ على عقيدة الأمة من كتب أهل البدع! ثم تنشر المقالة في أكبر مجموعة إعلامية سعودية في الأنترنت آنذاك!
والغريب أنه في السنة نفسها 2009 م - التي صدرت فيها فجأة وبعد صدور (الحرية أو الطوفان) بخمس سنوات المؤلفات والمقالات في الخليج ضد فكر د حاكم وكتبه - تم توجيه دعوة لي من طرف (مركز الوسطية) التابع لوزارة الأوقاف في الكويت لندوة في المركز عن الحرية في الإسلام!
وكان يدير الندوة مدير المركز آنذاك د عصام البشير من السودان، وعقب على ورقتي الشيخ الفاضل جاسم مهلهل الياسين، وكان حضورا حاشدا، فعرفت أن وراء الأكمة ما وراءها!
فقلت لوكيل الوزارة: يبدو أنه تم رفع الحظر عن د حاكم لديكم!
فضحك وقال: لا أبدا، لا يوجد حظر على فضيلتكم!
وتفاجأت بالندوة فإذا هي محاكمة لكتاب (الحرية أو الطوفان) بأسلوب مهذب! وإذا نصف وقت الندوة يذهب لمدير الجلسة في التقديم، وثلثها للمعقب على الورقة، وسدسها لي!
وقد تفاعل الحضور مع كلمتي التي حذرت فيها من خطورة الطغيان السياسي على مجتمعاتنا، وحق الشعوب في التغيير والإصلاح، فتأثر الحضور حتى قام الشيخ الفاضل أحمد القطان وأخذ يهتف مؤيدا لي ولما جاء في كلمتي مع وجازتها وقصرها!
وكانت المفاجأة بعدها أن نشرت الصحف خبر الندوة، ولا ذكر لي فيها! ولا لما قلت! وإنما نقلت الصحف كلام مدير مركز الوسطية وكلام الشيخ الياسين والتحذير من التطرف والغلو! ولم أستطع الحصول على شريط الندوة إلى اليوم مع اشتراطي عليهم تزويدي بنسخة منه!
فعرفت أن الهدف من الندوة كلها هو كما يريد جهاز (الأمن الوطني) الذي يتعاون مع وزارة الأوقاف - بإشراف أمريكي - على مواجهة التطرف وتجفيف منابعه الفكرية! وأن الحل الأمثل في مواجهة الفكر ليس الحل الأمني وإنما المحاورة ومواجهة الفكر بالفكر حتى لا يتأثر الشباب بهذا الفكر المتطرف!
وبالطبع يجب أن يكون المحاور شيخا موثوقا لدى الشباب - وليس بالضرورة سيء النية وليس بالضرورة يعلم عن هدف الندوة والغاية منها - ليتصدى لمحاورة د حاكم!
فلما رأى الملأ أن السحر انقلب على الساحر وأن الشباب ازدادوا إيمانا بما طرحه د حاكم، أخفوا الشريط، ولم يكرروا استضافته!
وكان الحصار الإعلامي - والتوصية بعدم نشر أي نشاط ولا ذكر حتى اسم د حاكم - إحدى وسائل الملأ لمواجهة الفكر ومحاصرته، حتى أخبرنا رئيس جريدة يومية من أبرز الصحف في الكويت، بأن رئيس الوزراء آنذاك - في دولة الكويت الديمقراطية - طلب منهم شخصيا عدم نشر أي نشاط لحزب الأمة وعدم ذكر اسم د حاكم شخصيا، إلا طبعا فيما كان تحذيرا منه أو تشهيرا به دون منحه حق الرد!
وقد دعاني في يوم من الأيام الشيخ المحدث الفاضل محمد بن ناصر العجمي في ديوانه سنة 2007م وكان ثالثنا أحد أبرز الدعاة المشاهير الأفاضل في الكويت فأخذ يسألني هذا الداعية المشهور بكل عفوية وصدق نية: أتدري يا د حاكم بأني كنت أبحث عنك وأنوي زيارتك أنا ومجموعة من المشايخ؟
قلت: حياكم الله، عسى خير؟
فقال الداعية: أبدا، نريد نسمع منك وجهة نظرك كيف نواجه التطرف ونحمي الشباب منه؟
فقلت: ولماذا الاهتمام بهذا الموضوع؟
قال: نحن نتعاون وعدد من الدعاة والشيوخ في لجنة مع وزارة الأوقاف وجهاز الأمن الوطني ونريد حلا لمشكلة التطرف والإرهاب!
وأخذ يتحدث بكل حرارة وصدق نية، وصفاء طوية، عن محاولة فهم نفسية الشباب! وضرورة دراستها! ومعرفة أسباب التطرف ...الخ
وكنت استمع إليه وأزداد منه تعجبا!
فلما فرغ من حديثه قلت له: أتدري يا شيخ محمد أنكم أنتم أحوج من الشباب لدراسة نفسياتكم!
فتفاجأ من ردي ودهش!
وأكملت حديثي: أنا أحاول من مدة فهمكم كظاهرة مرضية تحتاج حقا إلى علاج وليس الشباب المتطرف! وأحاول معرفة كيف نجح الطغاة في خداعكم وتوظيفكم في مشروع الاحتلال لمواجهة حركة تحرر الأمة وشعوبها التي للشباب قصب السبق فيها، لتتحولوا كشيوخ ودعاة إلى موظفين عند هؤلاء الطغاة! والله يقول {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النَّار}، لقد كان الأحرى بكم قبل أن تواجهوا تطرف الشباب مواجهة الأسباب التي أدت إليه وهو الاحتلال الأجنبي والطغيان السياسي والفساد والاستبداد!
وأخذت أتحدث بكل حرقة - تكاد تعقد لساني كما يقول السكران عني - فضحك الشيخ محمد وسكت!
وكأنه يقول لا حل مع د حاكم وتطرفه!
وفي أواخر سنة 2009م جمعني لقاء مع د أحمد ... في لبنان على هامش اجتماع للمكتب التنفيذي للحملة العالمية لمقاومة العدوان، فدار بيننا حوار عن القصور السياسي الذي يعاني منه الإسلاميون وعجزهم عن إحداث التغيير والإصلاح بسبب نجاح الاستعمار الغربي من خلال الأنظمة الوظيفية في تشكيل تحالف بينهم وبين هذه الأنظمة يمنع من حدوث التغيير، ففي كل مرحلة تواجه فيها هذه الأنظمة تحديات داخلية تكاد تسقطها يكون الإسلاميون أو بعضهم هم خط الدفاع الأول عنها، حسبة أو وظيفة، من خلال شبكة مصالح واسعة حققها الإسلاميون في ظل هذه الأنظمة، بما فيها بنوك وشركات وجمعيات ومراكز باتت تعد إنجازات كبرى في نظرها، والمحافظة عليها أهم عندها من التغيير، بدعوى مصلحة الجماعة!
فاعترف د أحمد بوجود قصور إلا أنه تحفظ على بعض ما جاء في حديثي!
فأخذت ورقة وقلما ووضعتهما بين يديه فقلت هذه مستويات الوعي من 1 إلى 10 كم تظن لدى الإسلاميين منها في تقديرك؟
فقال: لا أدري!
فقلت: قدر ما تشاء!
فأخذ القلم وقال: أتوقع فوق النصف وكأنه وضعه على رقم (6)!
فقلت أنا: بل مستواهم هنا ووضعت خطا!
فتفاجأ د أحمد حين وجد الخط تحت رقم الصفر!
قال: يا د حاكم أرى هناك مبالغة في تقديرك لحال القصور السياسي لدى الإسلاميين!
فقلت: أنتم ما مشروعكم السياسي وأنتم تعملون منذ ثلاثين سنة في المملكة العربية السعودية في تيار الصحوة وأين وصلتم؟ وماذا تحقق لشعبكم من إصلاح كما يرجونه منكم؟
فأطرق د أحمد ولم يحر جوابا!
قلت: إذا كان الإسلاميون إلى اليوم في نقاش وجدل حول مشروعية العمل السياسي، ومشروعية تشكيل الأحزاب السياسية، حتى أن جماعة كبرى كالإخوان في مصر ترفض تأسيس حزب الوسط الذي أسسه بعض أعضائها، ويصرح المرشد آنذاك بأنهم لا يريدون الوصول للسلطة، ويعترفون بشرعية الدولة ونظام حسني مبارك! فما بالك بمن هم أقل وعيا سياسيا منهم من الجماعات الأخرى!
قلت: للأسف الإسلاميون لم يعرفوا بعد أبجديات العمل السياسي مع نجاحهم الواسع في العمل الدعوي والعلمي والخيري وحتى الجهادي، حيث حققوا نجاحات واسعة، إلا إن أداءهم السياسي كان دائما ضعيفا، ولا أدل على ذلك من ضعف الأداء في تجربة السودان حتى كاد يضيع السودان كله بسبب الاستبداد، وكان يُظن أنهم أكثر الإسلاميين وعيا سياسيا، فإذا هي تجربة فقيرة بلا هوية ولا عقيدة سياسية ولا حرية ولا تنمية!
فقال د أحمد: صدقت هناك أزمة حقيقية في تصور المشروع السياسي الإسلامي والكتابات فيه شحيحة!
فقلت: هل قرأت كتابي (الحرية أو الطوفان) وكتابي (تحرير الإنسان)؟
فتبسم د الطبيب أحمد وقال: قرأت بعض الحرية!
قلت: ولماذا لم تكمل قراءته؟
قال: لا أدري ربما الوقت!
قلت: لكن أنا أدري!
قال: كيف!
قلت: قيل لكم بأن عليه مؤاخذات وتم تحذيركم مما فيه وحيل بينكم وبينه!
فسكت د أحمد!
قلت: أنتم تتصدون لأمر عظيم من أمور الأمة السياسية، وأنت من أكثرهم وعيا واطلاعا ومع ذلك لم تقرأ الكتاب الوحيد الذي سلط الضوء على أزمة مشروع الأمة السياسي، مع أنه خرج من المدرسة السنية والسلفية نفسها؟
فقال: وأين أجد الحرية والتحرير؟
قلت: قد تجدهما في بيروت!
ثم افترقنا بعد انتهاء اجتماع المكتب التنفيذي للحملة العالمية للعدوان - الذي شارك في تأسيسها سنة 2005م نحو 600 مؤسس من كافة ألوان الطيف من جماعات وعلماء ومفكرين وسياسيين من كل التيارات في العالم الإسلامي لمواجهة تداعيات احتلال العراق!
وفجأة وبعد مدة اتصل بي د أحمد وأخذ يسلم بحفاوة على غير العادة ويصر على ضرورة زيارة الرياض للقاء بهم!
فقلت: أفعل بإذن الله!
ثم زرت الرياض آخر سنة 2009م أو مطلع سنة 2010م - فأنا هنا أنقل من ذاكرتي لا من مذكراتي ففيها التواريخ بدقة - فأتاني د أحمد حيث أقيم وجاء بوليمة الفطور معه وأكرمنا، ثم أخذ يتحدث بعفوية وصدق..
فقال: يا د حاكم اشتريت نسخا من الحرية ومن التحرير وتفاجأت مما فيهما وكيف للأسف حارب بعض مشايخنا هذه الكتب قبل الاطلاع عليها ومناقشة ما فيها، وقد أجابت فعلا عن أزمة المشروع السياسي الذي نحتاجه... الخ
وقال أيضا: وقد جئت بنسخة معي للشيخ ناصر العمر من كتاب (تحرير الإنسان) وأريد منك كتابة إهداء له عليها، وسأرتب لقاء بينكما خلال يومين!
فقلت: على الرحب والسعة!
واتصل بعدها د أحمد وقد رتب اللقاء، وقال الشيخ يدعوك على العشاء...
فزرت برفقة د أحمد الشيخ ناصر العمر حفظه الله في بيته - وكانت هذه أول زيارة لي للشيخ ناصر، وأول لقاء بيني وبينه وآخر لقاء، وليس كما يروجه حساب (ويكيلكس السرورية) عن تعاوننا في العراق وسوريا واللقاءات بيننا، فكل ما ذكره أكاذيب وأوهام جملة وتفصيلا - فأحسن الشيخ وأبناؤه الكرام الاستقبال، ولم يكن في المجلس معنا إلا د أحمد وأبناء الشيخ ناصر، وبدأ الحديث عن المنطقة وأوضاعها فقال لي الشيخ ناصر: ما هي قراءتكم د حاكم لمستقبل المنطقة؟
فتحدثت نحو نصف ساعة أو يزيد، وكان الشيخ ناصر حسن الاستماع والإنصات...
وكان مما قلته وأتذكره: كما ترون فقد انتهى المشهد السياسي اليوم إلى فريقين لا ثالث لهما يتصارعان على المنطقة وعلى الأمة وشعوبها: المشروع الأمريكي الغربي الصليبي وتصطف خلفه الأنظمة العربية الوظيفية وما تسمى دول الاعتدال، والمشروع الإيراني الصفوي الطائفي وتصطف خلفه ما تسمى دول وقوى الممانعة، وليس للأمة مشروع ولا دولة!
وحسب قراءتنا التغيير قادم والثورة قادمة، ولا يمكن مواجهة تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق وحليفه الصفوي الإيراني في ظل هذه الأنظمة الوظيفية التي فرطت في وحدة المنطقة، وفرطت في أمنها وأمن شعوبها وسيادتها واستقلالها وهويتها، فلم يبق إلا الأمة وشعوبها لتتحمل مسئولياتها فالرهان عليها في مواجهة هذه التحولات التاريخية ... الخ
ونرجو ألا يقف المشايخ والدعاة الموقف الخطأ في خندق الأنظمة ضد ثورة الأمة وشعوبها، كما يقع من كثير منهم في كل مرة، ليتم توظيفهم من حيث لا يعلمون في غير مشروعهم، وإنما لتكريس واقع دويلات وظيفية صنعها سايكس بيكو وهو الذي يقوم بحمايتها!
ثم تحدثت عن نجاح الاحتلال في توظيف الأنظمة في فرض وجوده ومشروعه التغريبي مع غياب للمشروع السياسي الإسلامي، مما حول التيار الإسلامي إلى تيار وظيفي يواجه حركات التغيير ويتصدى لها، لا لصالح مشروعه بل لترسيخ الواقع القائم والأنظمة القائمة التي باتت جزءا من الأزمة التي تعيشها الأمة ... الخ
وتحدثت عن مبدأ (آيزنهاور) في أواخر الخمسينيات وكيف نجحت أمريكا والغرب في مواجهة المد الشيوعي والصراع مع الاتحاد السوفيتي - أثناء الحرب الباردة - في العالم العربي والإسلامي من خلال احتواء وتوظيف المد الإسلامي وفتح المجال أمامه لمواجهة الشيوعية كعقيدة وأيديولوجيا، حيث لا تستطيع الأنظمة الوظيفية التي تدور في فلك أمريكا والغرب من المغرب إلى باكستان أن تقوم بهذا الدور، لأنها أنظمة غير عقائدية وبلا هوية، فكان الحل في فتح الطريق أمام التيار الإسلامي [الذي كان يتعرض للقمع منذ الاحتلال البريطاني لمصر، حيث تم اغتيال الإمام حسن البنا وحل الجماعة أيام الحماية البريطانية على مصر، وجاء جمال عبد الناصر وأكمل المهمة، وبعد أن توجه عبد الناصر للاتحاد السوفيتي وبدأ يتبنى الاشتراكية، أدركت أمريكا خطورة الوضع على مصالحها ومصالح الغرب من امتداد النفوذ الروسي في العالم العربي، والذي بدأ يصل إلى الجزيرة والخليج العربي - درة التاج الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية - حيث صار اليمن الجنوبي قاعدة له، وبدأت الثورة الشيوعية في ظفار عمان، ورأت أمريكا أهمية احتواء التيار الإسلامي، فكانت محطات التعاون الرئيسة المغرب والسعودية والخليج وباكستان][1] وبلغ التعاون أوجه أثناء حكم أنور السادات الذي فتح السجون وأخرج الإسلاميين، وفتح الأبواب للتيار الإسلامي، تنفيذا لسياسة أمريكا - وتحقيقا لمبدأ الرئيس الأمريكي آيزنهاور - في مواجهة الشيوعية بالإسلام وبالإسلاميين، وبلغ التعاون أوجه في أفغانستان عسكريا حيث تم هزيمة الاتحاد السوفيتي بالجهاد الأفغاني، وهنا انتهى دور الإسلاميين، حيث رأت أمريكا بعد هزيمة الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفيتي وانحسار المد الشيوعي أن الخطر الشيوعي قد زال، وانتهت الحرب الباردة سنة 1990م، وانتهت مهمة التيار الإسلامي، وبدأت أمريكا في عقد التسعينات (مشروع تجفيف منابع التطرف)، وصرحت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الروسي سنة 1990م بأن مهمة حلف النيتو لم تنته بعد فهناك ما يزال التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط!
وبدأت حملة صليبية جديدة وكانت أول مواجهة في الجزائر مع (جبهة الإنقاذ الإسلامية) - التي اكتسحت الانتخابات بنحو 80% - وذلك بترتيب انقلاب عسكري بدعم فرنسي وخليجي، وكذا تم مواجهة (الجماعة الإسلامية) في مصر طوال عقد التسعينات بدعم أمريكي خليجي لنظام حسني مبارك، ومثله جرى في السعودية بسجن مشايخ الصحوة الإسلامية في الفترة نفسها، وفي الوقت ذاته تم تحييد جماعة الإخوان المسلمين في هذا الصراع وإدخالها العملية السياسية في الجزائر ومصر واليمن والأردن والكويت وتعزيز تحالفها مع النظام السعودي والأنظمة الخليجية الأخرى!
وبعد أن عزمت أمريكا قبيل سنة 2000م على احتلال أفغانستان والعراق لتحل محل الاتحاد السوفيتي في مناطق نفوذه سابقا، شنت حربها على العالم الإسلامي من جديد في حرب وحملة صليبية أخرى - كما صرح جورج بوش لاحقا في حربه لغزو العراق - وبدأت المواجهة من جديد مع التيار الجهادي (القاعدة) الذي تنامى بشكل كبير بعد حرب تحرير أفغانستان - بتهمة مكافحة الإرهاب، ونجحت أمريكا من خلال الأنظمة الوظيفية العربية إلى تحويل العالم العربي إلى سجن كبير، لكل من يرفض الاحتلال والوجود الأمريكي العسكري في المنطقة!
وقد تم للأسف توظيف الشيوخ الذين كانوا بالأمس في السجون - بفتاوى شيوخهم من قبل وبالمبررات نفسها - في هذه الحرب بعد أن احتاجت الأنظمة إليهم وإلى خطابهم القادر على احتواء الشباب بعلميته وعصريته وجاذبيته، فتم إطلاق سراحهم في أواخر التسعينات وفتحت لهم الأبواب من جديد ليواجهوا - من حيث لا يعلمون - حركة جهاد تتنامى ضد أمريكا في المنطقة، ظنا منهم أنهم يواجهون التطرف والغلو، دون إدراك طبيعة الصراع وأبعاده وأدواته وقدرة العدو في كل مرحلة على توظيف هذا الفريق الإسلامي أو ذاك ضد الطرف الآخر!
وهنا استوقفني الشيخ ناصر العمر وأخذ يذكر دوره في الدعوة وما تعرض إليه من سجن هو والمشايخ الآخرون، وحكى لي ما قاله له والده، وما قاله لهم أحد كبار العلماء في مكة وتحذيره لهم من خطورة المواجهة مع الأنظمة ...الخ
وذكر بأنه وجد بعد خروجه من السجن بأن مهمته الرئيسة هي الدعوة والتعليم وتربية الشباب، وأنه يدين الله بالبيعة للملك عبد الله وأن له في عنقه بيعة، ولا يرى الخروج ...الخ
وفطنت أن الشيخ ناصر ظن أني أعرّض به في حديثي وبدوره في مواجهة التيار الجهادي بعد خروجه من السجن! وهو ما لم يخطر لي - ويعلم الله - ببال حين كنت أتحدث بعفوية وصدق!
فتحدث د أحمد، وقال: أرى يا د حاكم بأنك تحمّل المشايخ ما لا يستطيعون وما لا يتحملونه من مسئوليات ليست في قدرتهم ...الخ
فقلت: أنا لا أقول بأنه يجب على الجميع المشاركة في الإصلاح السياسي، فكل ميسر لما خلق له، وفروض الكفايات كثيرة، وإنما أقول خلوا بين الأمة وشعوبها وهذا العدو المحتل وحكوماته الوظيفية، فالثورة قادمة والتغيير قادم، فإما أن يقف الدعاة والشيوخ المصلحون مع الأمة وثورتها، وإلا فليعتزلوها ويدعوها تمضي في طريقها، ولا يعيقوها في كل مرحلة - بدعوى المصالح والمفاسد الموهومة والتحذير من الفتن - لا لصالح مشروع إسلامي وإنما لصالح العدو ومشروعه!
وقلت: لو أن المشايخ حين وقفوا مع هذه الحكومات اشترطوا عليها شروطا تحقق الإصلاح للأمة وشعوبها لكان لمثل هذا التصرف وجه معقول، أما الوقوف بالمجان لتحقيق بعض المصالح الدعوية لهذه الجماعة أو تلك على حساب المصالح الكلية للأمة وشعوبها فهنا الخلل والخطر!
ثم سألني الشيخ ناصر عن إيران ومشروعها وخطورته على المنطقة؟
فقلت: بأن المشروع الإيراني مع خطورته إلا إنه ما كان له أن يحقق تقدما لولا الاحتلال الأمريكي، ولولا الأنظمة العربية الوظيفية التي لا تعبر عن إرادة شعوبها، فالأزمة في ضعف الأمة وغياب مشروعها، لا في قوة إيران ومشروعها الطائفي الصفوي، وفي حال ما تم هزيمة أمريكا فكل من جاء معها على ظهر الدبابة سيخرج بخروجها...
ثم بعد العشاء أهداني الشيخ ناصر العمر مجموعة من إصداراته وأهديته نسخة من كتابي (تحرير الإنسان)، وقال: سأقرؤه قراءة مستفيد…
فقلت: بل اقرأه قراءة ناقد، ويسعدني أي ملحوظة أو إضافة أو استدراك...
هذا بعض ما دار من حديث في هذا اللقاء الأول والأخير بيني وبين الشيخ الفاضل ناصر العمر، ولم يحدث بيننا وبينه لا من قبل هذا اللقاء ولا من بعده تعاون أو تفاهم أو تنسيق سواء في موضوع العراق أو سوريا لا ضد القاعدة ولا غيرها، كما يزعم حساب (ويكليكس السرورية) الذي كذب على الأحياء فكيف بالأموات!
وقد ذكر هذا الحساب بأني كنت أحضر لقاءات دورية في دمشق منذ 2005م مع الشيخ ناصر العمر أو من يمثله، للتنسيق لمواجهة القاعدة في العراق!
مع أني لم أذهب لدمشق منذ ذلك التاريخ إلا خمس مرات، الأولى سنة 2008م أثناء الحرب على غزة في وفد لحزب الأمة للإعلان عن وقوفنا مع الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل، وزرنا حينها قوى المقاومة الفلسطينية في دمشق وعقدنا مؤتمرا إعلاميا لهذه الزيارة ونشرت قناة الجزيرة وغيرها من وسائل الإعلام خبر الزيارة!
وقد حاولت السلطة في الكويت بعد هذه الزيارة ضرب (حزب الأمة) من خلال بعض الأعضاء في الحزب الذين احتجوا على هذه الزيارة وحذروا من خطورتها وخطورة إشغال الحزب في قضايا خارجية لا شأن لنا بها!
والزيارة الثانية لدمشق سنة 2009م لحضور مؤتمر حق العودة للشعب الفلسطيني، بدعوة من مؤتمر الأحزاب العربية، وقد تم دعوتي على هامش المؤتمر لحضور حفل عشاء ولقاء مع بشار الأسد لكبار ممثلي الأحزاب والوفود، واعتذرت عن الحضور، وحاول القائمون على المؤتمر إقناعي بكل وسيلة بالحضور فاعتذرت ديانة أن أصافح مثله وهو أحد طغاة العرب، وخرجت بعدها من الفندق إلى المطار لم ألتق أحدا إلا اللقاءات التي جرت في الفندق مع عدد مع ممثلي الوفود الذين رغبوا باللقاء معي في غرفتي وكان منهم رمضان شلح وبعض قيادات حركة الجهاد الإسلامي وبشير نافع ودار حديث طويل..
والزيارة الثالثة كانت سنة 2009م ألقيت فيها ندوة (تحرير الإنسان خطوة على طريق تحرير الأوطان)، التي بثتها قناة الجزيرة بعد ذلك.
والزيارة الرابعة في مطلع سنة 2010م بدعوة من مكتب هيئة علماء المسلمين في العراق بدمشق للمشاركة في مؤتمر (واقع عراق ما بعد الاحتلال)، وشاركت فيها بورقة، ولم ألتق أحدا سوى قيادات الهيئة، وكانت هناك مبادرة شاركت فيها للمصالحة بين فصائل المقاومة العراقية التي أضعفها الاختلاف فيما بينها لرص صفوفها...
والزيارة الخامسة كانت سنة 2010م في وفد مصالحة بطلب من حركة حماس والحركات السلفية في غزة بعد قتل الشيخ موسى عبد اللطيف في جامع ابن تيمية...
أذكر بعض هذه الحقائق التاريخية لتعرف الأمة وشيوخها ودعاتها وكتابها وشبابها كيف يوظف الطغاة - ومن ورائهم الاحتلال الغربي (الصليبيون الجدد) - الجميع من حيث لا يعلمون لترسيخ طغيانهم وفسادهم في الأرض كما جاء في الحديث الصحيح (غير الدجال أخاف عليكم أئمة مضلون)، حيث يمارسون ما يمارسه المسيح الدجال باسم المسيح عيسى بن مريم الذي بعثه الله رحمة وسلاما وهداية في الأرض، ليحولها دجاجلة الأرض وطغاتهم جحيما ونارا وليضلوا الخلق ويطمسوا الحق!
ومن العجيب أنه بعد لقائي مع الشيخ ناصر العمر بسنتين تقوم الثورة العربية، وإذا الغرب الصليبي والدول الوظيفية تواجهها بالثورة المضادة، وتشن حملة على التطرف ويكون الضحية هذه المرة الإخوان المسلمون، ويتم توظيف أطراف سلفية في هذه الحرب كما فعل حزب النور، فإذا المشهد يتكرر كل عقد، وكل عشر سنوات يشن فيه الصليبيون حملة على الأمة وعلى شعوبها وعلى دينها، من خلال استفرادهم بجزء منها ليتم تحييدها عن الصراع بدعوى أن المشكلة هي مع هذا الطرف وحده، ثم الانقضاض عليه، فيوهن العدو قوتها، ويتدخل في شئونها، ويعيدها كل عشر سنين إلى بيت الطاعة كلما شعر بأن هناك قوة تتنامى يخشى على وجوده ومصالحها منها؟!
وفي كل مرحلة من مراحل الصراع تكون الحرب الفكرية وتجييش الكتاب والأقلام من أهم أدوات الاحتلال ودوله الوظيفية في مواجهة حركات التغيير في المنطقة، باختراع حروب وهمية بين ألوان الطيف الإسلامي تشغلهم عن العدو ومؤامراته!
وحتى يقوم السكران بالدور المطلوب منه - من حيث يعلم أو لا يعلم - على النحو الذي يرضي الملأ تبرع في مقاله المذكور والمنشور سنة 2009م فضم إلى القائمة أكبر مجموعة من المفكرين والكتاب الإسلاميين كالنفيسي والحامد والأحمري والحبيل المسخوط عليهم آنذاك من قبل الأنظمة الوظيفية! والذين لا يربطهم رابط مشترك إلا رفضهم لسياسات حكومات الخليج ودعوتهم للإصلاح، وليس كما يزعم السكران اختزالهم الإسلام في (الحرية السياسية)!
فإذا كان بالإمكان اتهام د حاكم بمثل هذه التهمة بسبب كتابيه (الحرية أو الطوفان) و(تحرير الإنسان)، فلا أظنه سيجد للدكتور النفيسي مثلا اهتماما بموضوع (الحرية)، بقدر اهتمامه بأوضاع المنطقة العربية، والأخطار الخارجية التي تهددها بحكم تخصصه كأستاذ في العلوم السياسية!
فالزج باسمه وبأسماء المفكرين والكتاب الإسلاميين الآخرين لا يفهم إلا في سياق تقديم القرابين للسلطة وللأنظمة الوظيفية قبل الثورة العربية، إذ كل هؤلاء الإصلاحيين تعرضوا للسجون والمحاكمات والمنع من السفر، ولا أحد يسره التعرض لهم بالطعن والتشهير فضلا عن إخراجهم من دائرة أهل السنة والجماعة لمحاصرتهم شعبيا إلا الأنظمة وسدنتها، مع أنهم ليسوا من العلماء الشرعيين حتى يخشى منهم السكران ومن كتاباتهم على عقيدة أهل السنة ليتصدى لتصنيفهم والتشهير بهم!
فهل كتب السكران ما كتب ديانة كحال كثيرين من شيوخ الدين ممن يتبرعون في الذب عن الأنظمة بالدفع الذاتي!
أما كتبه بتوجيه وتوظيف مباشر أو غير مباشر؟
وسواء كان ذلك منه حسبة أو وظيفة فالمستفيد في جميع الأحوال من كتابات السكران هذه هم الطغاة، والضحية هم هؤلاء المفكرون الإسلاميون المستضعفون الذين لا حول لهم ولا قوة إلا الكلمة، والذين لم يكن لهم ذنب إلا أنهم أرادوا الإصلاح لمجتمعاتهم، فإذا السكران ينبري لهم ليجردهم من عقيدتهم وحقوقهم الشرعية الدينية والمجتمعية، كما جردتهم الحكومات من دنياهم ومن حقوقهم السياسية المدنية!
وقد ينبري السقاف ولجنته العلمية ويقولون أليس هذا ظلما أن يتهم د حاكم السكران لأنه قيّم كتبه وفكره وتوصل إلى أنه اختزل الإسلام في (الحرية السياسية)، وجعل الحرية السياسية الأولوية الوحيدة، وتجاهل أهمية التوحيد والشريعة والتحاكم إليها؟
ومن حق السقاف ودعاة الوسطية أن يسألوا هذا السؤال المشروع، ومن حق د حاكم أن يجيبهم بأن السكران إما أنه قرأ بالفعل كتاب الحرية وكتاب التحرير ولو مجرد اطلاع على فهرس (تحرير الإنسان) ووجد أنه وفي نحو 150 صفحة تحدث عن التوحيد والشرك وإخلاص الدين لله كأصل الأصول وقطب رحى الخطاب السياسي الإسلامي، فأعرض السكران عن ذلك كله وادعى خلافه ليضلل القراء! أو أنه أصلا لم يقرأ الكتابين، أو قرأهما ولم يفهم موضوعهما!
وقد ورد في فهرس تحرير الإنسان ما يلي:
الباب الأول: أصول الخطاب السياسي الإسلامي:
الأصل الأول: توحيد الله جل جلاله:
1- توحيد الله في الخلق:
2- توحيد الله في الملك:
3- توحيد الله في الربوبية والسيادة:
4- توحيد الله في الحكم والطاعة والعبادة:
5- حقيقة الشرك وصوره:
6- حقيقة إخلاص الدين وشرك الطاعة:
وقد قلت عن أصل التوحيد في كتاب تحرير الإنسان:
(وهذا هو أصل الأصول في الخطاب القرآني، وقد جعل شعاره كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وذلك باعتقاد وحدانيته سبحانه وتعالى، لا شريك له، في الخلق، والملك، والسيادة، والحكم، والطاعة، والعبادة، كما قال تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه}. [2]
فتوحيد الله وحده لا شريك له في كل ما أوجب إفراده به هو أول واجب على الخلق كافة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ـ وكان فيها يهود ونصارى ـ (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى ـ فإذا عرفوا ذلك ـ وفي رواية فإن هم أطاعوا لذلك ـ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإذا صلوا، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فخذ منهم، واتق كرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). [3]
وهذا الربط الوثيق بين توحيد الله ودفع الزكاة للفقراء، وتجنب الظلم، أوضح دليل على معنى التوحيد ومعرفة مقاصده، إذ دفع الأموال والضرائب لا يكون عادة إلا بعد الإقرار بالطاعة للجهة التي تأمر بدفعها أو جبايتها، وهم الملوك والرؤساء عادة، فكان أول واجب يدعوهم إليه هو توحيد الله وإفراده بالطاعة ـ التي هي أبرز مظاهر العبودية ـ له وحده لا شريك له، فلا طاعة للأحبار ولا للرهبان ولا للملوك الذين صاروا أربابا من دون الله، يتحكمون في عباده ويخضعونهم لطاعتهم، ويجبون أموالهم ليزداد الملوك والملأ بها ترفا وبطرا وطغيانا على حساب الفقراء والمستضعفين.
كما أن في ذكر دفع الزكاة للفقراء ورفع الظلم عن الضعفاء بعد توحيد الله، بيانا لمقاصد التوحيد وغاياته، وهو تحرير الخلق، وتحقيق العدل، ونصرة المستضعفين، ورفع الظلم عنهم، الذي طالما مارسه عليهم الجبابرة والطغاة، الذين نازعوا الله في ملكه وخلقه وعباده)!
كما تحدثت في فصل كامل في كتاب التحرير عن (البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم) وعن (البشارة بظهور دين الإسلام)...الخ
وقلت في مقدمة التحرير:
(وقد عمت الجاهلية أمم الأرض كلها، كما في الحديث الصحيح (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) [4] ، فبعث الله لهم النبي الأمي بالحنيفية السمحة، بعد أن اختلف أهل العلم والكتاب فيما بينهم، فضلوا عن الحق، وأضلوا الخلق، وأفسدوا الدين وأولوه، وجعلوه قراطيس وبدلوه، فأصبحوا بين ضالين عن الحق، وعاتين عليه، فبعث الله النبي الأمي ليعلم أهل الكتاب ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وبعث معه أمته الأمية، لتحرر الخلق مما هم فيه من الظلم والعبودية للملوك والأوثان، والأحبار والرهبان، وأنزل عليهم القرآن هداية للخلق كافة، ليخرجهم من ظلمات الجاهلية إلى النور، وليخلصهم من الظلم والطغيان والجور، فمن لم يقرأ القرآن على هذا الأساس حيل بينه وبين فهمه، وظن أن كل ما ورد فيه من تنديد بالشرك، وإبطال للعبودية لغير الله عز وجل، إنما المقصود به جاهلية العرب وشركهم، لا كل جاهلية وشرك، فإذا نظر في واقعه فلم يجد اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ظن أن العرب اليوم على حال خير من حال أهل الجاهلية، وصار القرآن بين يديه كتاب تاريخ وقصص، لا كتاب نور وهداية، فلا يدرك بأن العرب اليوم في جاهلية كجاهلية الأمم الأخرى أو أشد يوم أن جاء الإسلام، وأنهم اليوم في عبودية للملوك وخضوع لطغيانهم، أشد مما كان عليه حال بني إسرائيل وشعب مصر مع فرعون، وأشد من شرك العرب في جاهليتهم لأصنامهم وأوثانهم)!
وقلت أيضا عن وجوب عودة الأمة للإسلام دينا وشريعة وهوية ونظام حياة (لقد أصبح العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة يواجه اليوم تحديات كبرى، بعد عقود من الاستبداد والاضطهاد والاحتلال، حتى إذا تحركت شعوبه نحو تحقيق حريتها، ونهضت في سبيل تحررها، وصون كرامتها، فإذا هي بين خيارين، إما الديمقراطية الغربية ـ بكل تناقضات الديمقراطية الغربية مع دينها وقيمها ـ طمعا في حريتها، وإما الصبر على الأنظمة الاستبدادية، حفاظا على هويتها!
فإما الحرية بلا هوية، أو الهوية بلا حرية ولا إنسانية!
إنه الخيار المر الذي يعرضه عليها الاحتلال الأجنبي منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم الذي يأبى عليها العودة لاستقلالها وهويتها، والاستبداد الداخلي الذي يأبى عليها سيادتها وحريتها، وعلماء الفتنة ودعاتها الذين يدعونها للاستكانة وعدم الخروج على هذا وذاك!
وكأن الإسلام عاجز عن أن يكون البديل والحل لهذا الواقع، وإنه لقادر، بل لا خيار أمام الأمة سواه، إذا ما تم بعثه من جديد، وفق أصول الخطاب القرآني والنبوي والراشدي).
فهذه بعض النصوص التي تؤكد عدم صحة ما قاله السكران عن كتاب (الحرية أو الطوفان) وكتاب (تحرير الإنسان)، وأنه لم يقرأ الكتابين فاجترأ على نقدهما قبل الاطلاع عليهما كما هو شأن أصحاب التقارير الصحفية والأمنية الذين لا يعنيهم ما جاء في الكتب بقدر ما يهمهم كتابة ما طلب منهم من تقارير وردود!
وعلى كل حال فالتوحيد - وليست الحرية ولا الديمقراطية - عند د حاكم هو أصل الأصول، إلا أنه ليس بالضرورة التوحيد الذي يعرفه السكران وطائفته، وإنما التوحيد الذي جاء به القرآن وأقامه النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة الرحيمة العادلة!
هذا مع أن السكران لو كان يعرف أصول النقد لما حق له أصلا التدليل بمثل هذا الاحتجاج، والتوصل لمثل هذا الاستنتاج، لأن كتاب (الحرية) كما جاء في عنوانه (دراسة تاريخية لمراحل الخطاب السياسي الإسلامي)، وكتاب التحرير كما جاء في عنوانه أيضا (دراسة في أصول الخطاب السياسي الإسلامي)، ولا يعقل الحكم على مسلم واتهامه بأنه (اختزل الإسلام) في جزئية، وفرط في قطعياته وأولوياته لمجرد أنه تخصص في فن من الفنون، أو ألف في علم من العلوم، ولا يجب علي حين أتحدث عن الحرية وحقوق الأمة الشرعية أن أتكلم عن التوحيد والشرك، وإلا وصمني السكران وشيعته باختزال الإسلام بالسياسة!
الوجه الثاني: يزعم السكران أن د حاكم ارتبكت عنده أولويات خطاب الشريعة حيث جعل الحرية السياسية ليس فقط رأس الأولويات بل الأولوية الوحيدة!
قطعا الشريعة التي يتحدث عنها السكران ليست هي الشريعة السمحة التي يعرفها المسلمون منذ أن دخلوا في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجا}، والذي قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله عن الإسلام وفرائضه الخمس فأخبره بها، قال والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل الجنة إن صدق)!
بل هي شريعة خاصة لها أحبارها وأسرارها، ورهبانها وكهانها، ولا يعرف أولوياتها إلا السكران وشيعته!
فهي شريعة يسمح فيها بالربا نهارا جهارا الذي قال الله فيه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}، وتقام أكبر مؤسساته الربوية وبنوكه العالمية الأمريكية والفرنسية جنب كل مسجد، وتحيط بالبيت الحرام إحاطة الأغلال بالرقاب، إلا أن ذلك كله لا يعد في شريعة السكران استحلالا! بل هو معصية فقط مع كونه مسموحا به مأذونا له محميا بالنظام والقانون يسجن من يعترض عليه!
فإذا قيل لهم ما معنى السماح والإذن بالشيء غير الإباحة والتحليل؟!
وأين أحكام الطائفة الممتنعة؟ وهل يشترط في الامتناع عن الفرائض بالقوة الاستحلال القلبي واعتقاد كون الممتنع عن فعله أو تركه حلال الترك أو حلال الفعل مع حال القدرة على الالتزام بحكم الله؟
وكيف يمكن فهم كلام ابن تيمية الذي يرى مجرد الامتناع بالقوة كاف في الحكم دون نظر للاعتقاد الباطني القلبي حيث يقول: (فإن الله يقول في القرآن {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّه} والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، ولهذا قال الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما دخلوا في الإسلام والتزموا الصلاة والصيام، لكن امتنعوا من ترك الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا، والربا هو آخر ما حرمه الله، وهو مال يؤخذ برضا صاحبه، فإذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب جهادهم، فكيف بمن يترك كثيرا من شرائع الإسلام أو أكثرها كالتتار. وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها إذا تكلموا بالشهادتين، وامتنعوا عن الصلاة، والزكاة، أو صيام شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر... فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله).[5]
وفي الوقت الذي يمنع الشيوعيون الاشتراكيون - الذي لا يؤمنون بالله ولا برسله ويقولون (لا إله والحياة مادة) - بنوك الربا، ويحظرون الربا في دولهم، لأنه ظلم يمتص به الأغنياء جهد الفقراء، ويستغلون به حاجتهم، يعجز في المقابل أهل التوحيد والسنة عن منع الربا في أرضهم، لتمارس السلطة نفسها والقائمون عليها - إذ هم أصحاب البنوك - الربا على شعبها الذي لا يزداد مع الأيام إلا حاجة وفقرا وعوزا { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}!
ثم لا تستطيع اللغة ولا الفقه ولا العقل حل هذا اللغز الطلسم كيف يكون الاستحلال؟ وما هي حقيقة الإباحة؟ إن لم يكن مثل هذا الفعل استحلالا!
فيتصدى مشايخ السلطة لمن يسأل عن هذا المنكر العظيم من الفقراء! ليقولوا لهم: لقد أخطأتم الفهم! فهذا ليس استحلالا! ولم يقل أحد بأنه حلال بل هو حرام بالنص والإجماع القطعي!
فيزداد الفقراء دهشة ويتساءلون؟
إذا كانت الشريعة تحرمه تحريما قاطعا والدولة إسلامية وتحكم بالشريعة، فلماذا يسمح به إذا ويباح بالنظام وقوة الدولة؟
فيرد المشايخ عليهم: هذا ليس استحلالا ما دام الفاعل يعتقد حرمته!
فيقول أحد الفقراء: إذا العبرة بالاعتقاد في القلب وليس بالعمل؟
فيجيب المشايخ: اتق الله هذه عقيدة أهل الإرجاء!
فيقول الفقير: عذرا أيها الشيوخ هذا ما فهمته من إجابتكم الموقرة عمن استحل الربا بفعله وترخيصه له والسماح به وحمايته بالقوة ما دام لم يصرح بلسانه ويقر بما في قلبه بأنه حلال!
فيقول المشايخ: نحن أهل السنة نرى العمل ركنا من أركان الإيمان ولسنا كأهل الإرجاء الذين يخرجون العمل من دائرة الإيمان!
فيقول الفقراء: بلا شك أنتم أعلم منا بالشريعة وأسرارها فما حكم هذا الفعل وما حكم فاعله إذا؟
فيجيب المشايخ: هو منكر بلا شك وفاعله عاص آثم!
فيرد الفقراء: وما قيمة هذا الحكم؟ وما أثره على الواقع؟ وهل تسقط عنا فوائد الديون الربوية لإبطال الشريعة لها بنص القرآن، فيكون لهم رؤوس أموالهم لا يظلمون ولا يظلمون كما حكم الله؟
فيقول المشايخ: حسابهم بلا شك أليم وعسير يوم القيامة!
فيقول الفقراء: نحن نريد رفع الظلم عنا في الدنيا قبل الآخرة، فهل يمكن إبطال الربا وفوائده بحكم الله؟
فيجيبهم المشايخ: لا هذا يخالف الأنظمة التجارية المعمول بها التي أصدرها ولي الأمر؟
فيتساءل الفقراء: أليس الله هو الرب {رَبَّكُمُ الله}، وهو الولي {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللهُ}، وله الحكم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، وله الأمر {لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}، وله الطاعة المطلقة {أَطِيعُوا اللَّه}؟
فيجيب المشايخ: نعم!
فيبادر الفقراء: أليس هذا هو أصل الدين وحقيقة التوحيد؟
فيجيب المشايخ: أحسنتم أيها المؤمنون الموحدون!
فيرد الفقراء: فإذا تعارض أمر الله ورسوله وحكم الله ورسوله مع أمر ولي الأمر أيهما يجب طاعته ولزوم أمره؟
فيتبسم المشايخ: قطعا حكم الله ورسوله بلا خلاف!
فيزداد الفقراء غيظا ويصرخون: فإن القضاء لا يحكم لنا بإبطال الديون ويبطلون حكم الله ورسوله عملا بأمر ولي الأمر!
فيقول السحرة: الإثم على من أمرهم يوم القيامة!
فيتساءل الفقراء: وفي الدنيا كيف نصل إلى رفع الربا والظلم عنا؟
فيقول المشايخ: بالتحاكم إلى الشريعة؟
فيرد الفقراء: نحن نريد حكم الشريعة إلا إن القضاء لا يحكم لنا بموجبها لأنه يقدم طاعة ولي الأمر وأنظمته وقوانينه على طاعة الله ورسوله وعلى حكم الشريعة وهذا شرك في الطاعة يناقض أصل التوحيد لله بالألوهية والربوبية؟
فيرد المشايخ: لا، لا ليس هذا من الشرك بالله فنحن أعلم بالتوحيد منكم!
فيقول الفقراء: إذا أمرنا لا يحكم فيه الشرع وإنما يحكم فيه ولي الأمر؟
فيقول المشايخ: نعم!
فيقول الفقراء: وما هو الحل والمخرج لما نحن فيه من كرب وشدة؟
فيجيب المشايخ: عليكم بالصبر واسألوا الله الفرج وارفعوا الأمر لولي الأمر؟
فيقول الفقراء: حسبنا الله وتوكلنا على الله وعلى ولي الأمر في كشف كربتنا!
فيرد المشايخ: اتقوا الله وإياكم والشرك بالله فلا تتوكلوا إلا على الله وحده!
فيسأل الفقراء: أنكون بمثل هذه الكلمة مشركين بالله! ولا يكون ولي الأمر حين يرد حكم الله بالفعل الظاهر مشركا، ولا يكون قضاته مشركين حين يتركون أمر الله وحكمه ويقضون بأمر ولي الأمر؟
فيجيب المشايخ: نعم ففرق بين الشرك وبين العصيان!
فيقول الفقراء: هل يحق لولي أمركم الخروج عن حكم الله ورسوله وتعطيل حكم الشريعة ولا يحق لنا الخروج عن طاعته؟
فيرد المشايخ: نعم للأسف!
فيقول الفقراء: وهل هذا هو التوحيد!
فيقول المشايخ: لا بل هذه هي السنة! فعليكم بالصبر ويحرم عليكم الخروج عن طاعة ولي الأمر!
فيقول أحد الفقراء الأشقياء: فإن عصيناهم وخرجنا عن طاعتهم كما خرجوا عن طاعة الله ورسوله ما حكمنا؟
فيجيب المشايخ: تكونون من الخوارج والعياذ بالله، فأهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على ولاة أمرهم مهما جاروا!
فيسأل الفقراء: وهل يكون ولاة الأمر بجورهم هذا من أهل السنة والجماعة مهما خرجوا عن حكم الله ورسوله وعطلوا شرعه؟
فيقول المشايخ: نعم ما لم يستحلوا!
فيتساءل الفقراء: أنخرج نحن الفقراء من دائرة أهل السنة والجماعة إذا خرجنا على ولي الأمر، ولا يخرج هو من دائرة أهل السنة إذا خرج عن حكم الله ورسوله!
فيجيب المشايخ: نعم!
فيقول الفقراء: ونكون بهذا الفعل من أهل البدع نهجر ونعاقب ونسجن، ولا يكونون هم بفعلهم من أهل البدع ولا يُهجرون ولا يُذمّون!
فيجيب المشايخ: نعم لأنه يجب توقير سلطان الله في الأرض إذ به يتحقق لكم الأمن!
فيقول الفقراء: ونحن الفقراء أليس لنا في شريعة الله تقدير ومكان ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حين أغضب بلالا وعمارا من أجل أبي سفيان (لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)![6]
فيقول المشايخ: بلى، فأنتم تدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة سنة كما ثبت في الخبر!
فيقول الفقراء: وفي الدنيا أليس لنا حق؟
فيرد المشايخ: بلى لكم كامل حقوقكم، عند ولي أمركم، وعليكم الصبر إذا جار عليكم!
فيقول فقير بائس: وهل لهذا الجور إذا وقع من ولي الأمر حدود أم لا حدود له!
فيرد الشيخ: نعم حده (ما لم تروا كفرا بواحا) هذه هي السنة!
فيتساءل الفقير: وكيف يمكن أن نرى كفرا بواحا إذا كانت الأفعال المحرمة التي آذن الله بالحرب عليها كالربا لا عبرة بها حتى يستحل بقلبه ويصرح بلسانه باستحلالها!
فيرد المشايخ: والله ما نراك إلا صاحب بدعة وفتنة!
فيرد الفقير: أيها المشايخ، أنا مسلم فقير صاحب قضية ومحنة وجئتكم أريد حكم الشريعة والعدل الذي جاءت به فقط ولا شأن لي بالسنة والبدعة والسياسة وحاكم المطيري وكتاب الحرية!
فيجيب المشايخ: كلامك يدل على أنك خارجي وليس للخوارج إلا القتل!
فيقول الفقير: وهل ولي الأمر الذي خرج على حكم الله ورسوله يكون خارجيا مثلي ويستحق القتل!
فيرد المشايخ: قطعا لا ليس خارجيا بل مسلم عاص!
فيقول الفقير: إذا جريمة الخروج عن حكم الله ورسوله أهون من الخروج عن حكم ولي الأمر عندكم!
فاضطراب المشايخ حينها وقالوا: لا لا! ولي الأمر لم يستحل الخروج عن حكم الله ورسوله بل يؤمن بحرمة الربا وإنما يفعله ويعتقد حرمته حتى لو أذن به وسمح له وأباحه!
فيرد الفقير: إذا من خرج على حكم ولي الأمر غير مستحل للخروج لا يكون خارجيا ولا يستحق القتل!
فيجيب المشايخ: الخروج على ولي الأمر فعل ظاهر فمن قام به كان خارجيا ويجب قتاله ولا عبرة بالاعتقاد هنا بل العبرة بالفعل!
فقال الفقراء: لا لا! نحن لا نريد الخروج وإنما نريد أن نشتكي من ولي الأمر وظلمه وننكر عليه؟
فيقول المشايخ: احذروا فإن أول الخروج الكلمة والواجب مناصحته سرا!
فيقول الفقراء: هل بمجرد كلمة ننكر بها على ولي الأمر الظلم الواقع علينا علانية نكون خوارج ولسنا من أهل السنة ونستحق القتل! بينما ولاة الأمر يخرجون علانية عن طاعة الله وحكمه بأفعالهم الظاهرة ولا يكونون خوارج عندكم!
أليس حقيقة التوحيد تقديم طاعة الله على طاعة ما سواه وإلا كان الشرك الذي حرمه الله!
فيرد المشايخ: ومع ذلك فالسنة هي التي أمرتكم بطاعتهم فلا تضربوا النصوص ببعضها كحال أهل الشبه بل ترد المتشابهات إلى المحكمات!
فيقول الفقراء: إذا الرب والولي الذي له الطاعة حقيقة وواقعا على الأرض عندكم ليس الله ولا رسوله ولا شرعه بل ولاة الأمر!
فيضطرب المشايخ ويردون: اتقوا الله فأنتم لا تعرفون خطاب الشريعة وأولوياتها وأسرارها!
فيقول الفقراء: أيها المشايخ الأفاضل لماذا تجعلون النصوص التي تكون في صالح ولي الأمر من المحكمات دائما، بينما النصوص التي في صالحنا من المتشابهات؟
فيرد المشايخ: لأن السلطان ظل الله في أرضه ولولاه لما عبدتم الله بأمن!
فيقول الفقراء: حسنا هذا هو التوحيد وهذه هي السنة! فهل من العدل إذا عجزنا عن سداد الربا أن نسجن والله يقول {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}!
فيقول المشايخ: طبعا ليس هذا من العدل!
فيتساءل الفقراء: وهل من الرحمة سجن الفقراء الذين اضطروا إلى قروض الربا من بنوك ولي الأمر وعجزوا عن سداده!
فيقول المشايخ: قطعا ليس هذا من الرحمة!
ففرح الفقراء وظنوا بأنهم نجحوا أخيرا في مخاطبة وجدان مشايخ السلطة وضمائرهم الحية بعد أن تحجرت عقولهم فقالوا:
هل من المعقول تحريم عزل ولي أمر لا يحكم بالشرع ولا بالعدل ولا بالرحمة، بينما الله جعل الغاية من الولاية والسلطة ومن الكتاب إقامة العدل كما قال تعالى: {لقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}؟
فيقول المشايخ: العزل أخو الخروج كلاهما ممنوع شرعا، ولا يمكن العزل إلا بالقدرة والاستطاعة، لما قد يفضي إلى فتنة ومفاسد لا يعلمها إلا الله!
فيقول الفقراء: ولماذا لا نرى هذه المفاسد والفتن عند الأمم الأخرى التي تخرج على حكوماتها وتستقيم أحوالها؟
فيرد المشايخ: أتريدون التشبه بأهل الكفر، اتقوا الله!
فيقول الفقراء: حسنا لا نريد التشبه بأهل الكفر، فإذا تمكنا من القدرة والاستطاعة هل يحق لنا شرعا عزل ولي الأمر الذي لا يحكم بالشرع ولا بالعدل ولا بالرحمة بلا خروج ولا قتال ولا دماء؟
فيرد المشايخ: هذا أمر ليس إليكم؟
فيقول الفقراء: ومن يملك هذا الحق إذا؟
فيقول المشايخ: أهل الحل والعقد؟
فيرد الفقراء: أهل الحل والعقد اختارهم ولي الأمر وهم شركاؤه في البنوك ولن يرضوا بعزله حتى لو قدروا على ذلك فعدنا من حيث بدأنا؟
فيرد المشايخ بدهاء ومكر: ألم نقل لكم بأن الصبر هو الحل!
فيسأل الفقراء: وكيف نصبر وقد نفد صبرنا وقلّت حيلتنا ولم يبق لنا إلا أن نموت أو نثور لنحيا؟
فيقول المشايخ: إذا السجن هو المكان المناسب لتنفيس سخطكم فهذا خير لكم عند ربكم!
فيتفجر أحد الفقراء البائسين غيظا ويقول: بل الحل الثورة!
فيرد عليه السكران من وراء حجاب: لو فقهتم خطاب الشريعة وأولوياتها وعلى رأسها التوحيد والعقيدة والمحافظة على الإيمان لكان خيرا لكم من السياسة والحرية التي أفسدت عقائدكم!
فيقول فقير مدين في أقصى القوم: نستغفر الله ونتوب إليه أيها الشيخ الوقور فنحن نؤمن بالله ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونقيم الصلوات الخمس ونصوم رمضان كل عام والحمد لله!
فرد الشيخ عليه: أيها الأعراب الجاهلون ألم أقل لكم لو عرفتم أولويات خطاب الشريعة لعرفتم فرائض دينكم بدل اشتغالكم بالسياسة وفتنتها!
فيتساءل الفقراء: وما هي الأولويات غير ما ذكر أخونا البائس الفقير!
فيسألهم الشيخ متعالما: أليست الفرائض خمس؟ فأين الزكاة والحج!
فأسقط بأيدي الفقراء فقالوا: نحن لسنا من أهل الزكاة، لأننا فقراء إلى الله بسبب الديون، ولا نستطيع إلى الحج سبيلا بسبب السجون!
فيرد الشيخ مغضبا: ولو ومهما يكن! فالعلم بهذه الفرائض بحد ذاته ومعرفة أولويات خطاب الشريعة هو أهم مما أنتم فيه!
فيقول الفقير: حتى لو لم نستفد من هذا العلم شيئا في واقع حياتنا؟
فيقول الشيخ: نعم بارك الله فيكم فالعلم نور حتى في ظل الجور، فبالعلم تتعلم الصبر!!
فيقول الفقراء: نحن أيها الشيخ الفطن فقراء معدمون ولا نعرف إلا اليسير من أحكام ديننا وكل الذي نريده حكم الشرع والعدل والرحمة برفع الديون وإطلاق من في السجون أترى ذلك شيئا عظيما يعجز عنه ولي الأمر!
فيجيب الشيخ وقد تنفس الصعداء: ألا أدلكم على ما هو خير لكم من ذلك كله؟
فيقولون: وهل يرغب عن الخير إلا من سفه نفسه؟
فيرد إبراهيم السكران: إذا تعالوا إلى دروس الشباب في مراكز (الوسطية) وتعلموا التوحيد والسنة والعقيدة حتى لا تقعوا في الشرك والبدعة وأنتم لا تعلمون وحتى تكونوا من (أسود السنة)، وتتعلموا أولويات الشريعة!
فينبري ذلك البائس الفقير من أقصى القوم فيقول: أيها الشيخ السكران التوحيد والسنة اللذان اتسعا حتى احتملا رد حكم الله ورسوله وتعطيل شرعه واستباحة محرماته القطعية من أرباب القصور! سيحتملان لنا نحن الفقراء برحمة الله الواسعة ما دون ذلك من تقصير وقصور!
هذه باختصار قصة شريعة السكران التي لا يعرف أسرارها إلا الملأ الذين استكبروا في الأرض بغير الحق!
إنها الشريعة التي حارت في فهمها العقول، وعجزت عن إدراك غاياتها ومقاصدها الألباب، والتي لا يعرفها إلا السكران وفئته!
وما زلنا مع هذه القضية وشبهات السكران حول الحرية فما زال للحديث بقية!
[1] ما بين المعكوفتين زيادة مني هنا لتوضيح الفكرة للقراء.
[2] محمد : 19 .
[3] رواه البخاري ح7372و1395و1496،ومسلم ح19.
[4] صحيح مسلم ح 2865.
[5] مجموع الفتاوى - (28 / 544 - 546)
[6] صحيح مسلم - (4 / 1947) ح رقم 2504 .