القاديانية الخليجية
ونقض أصول السنة والجماعة
(١٣ - ١٤)
بقلم: أ.د. حاكم
المطيري
٢٨ / ٥/ ١٤٤٧هـ
١٩ / ١١ / ٢٠٢٥م
عبّر مصطلح "السنة" و "الجماعة" عن أصلين
عقائديين سياسيين، كان لهما أكبر الأثر في الحفاظ على الإسلام دينًا وأمةً ودولةً
وحضارةً، مدة ثلاثة عشر قرنا، تمايز بهما موقف عموم المسلمين تجاه الخلافة ووحدة
الأمة، عن الأقليات التي خرجت عنها، وكانا المشترك السياسي الرئيس بين كل المذاهب
الفقهية المشهورة باسم أهل السنة والجماعة، وهما:
الأول: لزوم السنة بإثبات الخلافة الراشدة بعد النبوة، وأنها بالشورى
والبيعة والرضا والاختيار، بلا تنازع ولا إجبار، لا بالنص كما ترى الإمامية، ولا
بالسيف كما ترى الزيدية.
ووجوب اتباع سنن النبوة، والخلفاء الراشدين في باب الإمامة وسياسة
الأمة.
والثاني: إيجاب الجماعة ووحدة الأمة، وعدم الخروج عن الإجماع
التشريعي، والاجتماع السياسي، بالمحافظة على الأمة الواحدة، والإمامة الواحدة،
وتحريم الخروج عليهما لقوله ﷺ عن لزوم أمته: (من خرج على أمتي.. فليس مني)، وقال عن لزوم سنته: (من
رغب عن سنتي فليس مني)، وحذر من مخالفة سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده في باب
الإمامة وسياسة الأمة فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وإياكم
ومحدثات الأمور).
فليس من أهل السنة والجماعة من لا يثبت حجية الإجماع ولزومه وعدم
الخروج عليه تشريعيا، ومن لا يثبت الخلافة الراشدة ووجوب لزوم سننها، ووجوب
الجماعة سياسيا والاجتماع على خليفة واحد..
ولهذا لا يرى أهل السنة البيعة لخليفتين، كما قال النبي ﷺ: (إذا بويعا لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما)، وقال: (أوفوا بيعة
الأول فالأول)، وقال: (من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه كائنا
من كان)..
وقد امتنع أكثر الصحابة زمن الفتن عن البيعة والسمع والطاعة لأحد حتى
يكون الناس جماعة، كما قال ابن عمر: (والله لا أبذل بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من
جماعة).
وقال الإمام أحمد: (نأخذ بقول عمر في الجماعة، وبقول ابنه في الفرقة).
وقول عمر في الجماعة هو أن الإمارة شورى، وأنه من بايع رجلا دون شورى
المسلمين، فلا بيعة له، وقول ابنه عبدالله في الفرقة أنه لا بيعة واجبة فيها لأحد،
ولا تلزم أحدا حتى يجتمع المسلمون على إمام واحد..
وفسر الإمام أحمد حديث: (من مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)
بأن المراد الإمام العام للمسلمين جميعا، فإذا افترقوا لم تجب بيعة واحد منهم، ولم
تلزم، وإنما تجوز البيعة الخاصة بلا لزوم لمن شاء للأمير الذي هو في ولايته..
وإنما منع أهل السنة من إيجاب البيعات وتعددها ولزومها زمن الافتراق،
حتى لا تكون البيعة الخاصة الجائزة، مانعا من اجتماع الأمة بعد ذلك، ولا تحول
البيعات الخاصة دون العامة، ولهذا لم يوجبوا الخاصة ولم يجعلوا لها حكم اللزوم،
بخلاف البيعة العامة فهي واجبة لازمة..
وحفظا على هذا الأصل -وهو لزوم الكتاب والسنة وإقامة أحكامهما بلا
إحداث وابتداع، وإقامة الجماعة والخلافة والإمامة بلا تنازع وافتراق، والمحافظة
على وحدة الأمة- نصّ أئمة السنة على كثير من الأصول المرتبطة بها في باب العقائد،
ومن ذلك:
١- وجوب إقامة صلاة الجمعة والجماعة مع كل إمام بر أو فاجر، عدل متبع،
أو زائغ مبتدع، محافظة على وحدة الأمة وعدم افتراقها، وإقامة شعائرها، وشرائعها،
فلا تتعطل الفرائض بسبب انعدام وصف العدالة في الإمام، لا تعظيما منهم للإمام غير
العدل -الذي أوجبوا خلعه مع تحقق القدرة وتحقق المصلحة- وإنما تعظيما للاجتماع
ووحدة الأمة والدولة، وإقامة أحكام الإسلام، وعدم تعطل الجهاد في سبيل الله.
٢- إثبات الإسلام والإيمان لجميع أهل القبلة، على اختلاف طوائفهم؛ فلا
يخرجونهم من دائرة الإسلام، ولا يستحلون دماءهم ولا أموالهم، لإجماع الصحابة على
ذلك في عهد علي، حين خرج عليه الحرورية، فأقر جميع حقوقهم، وصلى الصحابة خلف
الحجاج والمختار الثقفي، وصار أئمة السنة ينصون في كتب العقائد على قولهم في أهل
القبلة، وهم الطوائف المشهورة التي خالفت السنة في باب الاعتقاد.
٣- إقامة الجهاد طلبا ودفعا مع كل مَن قام به؛ حفاظا على دار الإسلام
ودولته.
وقد علل أئمة السنة عقائدهم هذه لأنها معقولة المعنى، فعلل أحمد الصبر
على فتنة خلق القرآن، والمنع من الخروج حفاظا على الأمن والدماء، وعدم تعطل الجهاد
والأحكام..
فجاءت "القاديانية الخليجية" بكل جماعاتها -التي وُلدت في
أحضان الدول الوظيفية، وترعرعت تحت نفوذ الحملة الصليبية البريطانية، ثم
الأمريكية، وتحت سطوة ثقافتها الغالبة- فنقضت كل عقائد أهل (السنة والجماعة)
وفرغتها من حقائقها ومقاصدها، فلم تعد "الجماعة" عندهم هي
"الأمة" و "جماعة المسلمين" كما قال النبي ﷺ: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، بل الجماعة هي كل شعب بحدود سايكس
بيكو ! و"الإمام" الواجب طاعته هو الملك والرئيس عليهم!
فأقروا الفرقة عينها التي حذر منها النبي ﷺ بقوله: (فاعتزل تلك الفرق كلها..)!