القاديانية الخليجية
الجنسية.. وأزمة الهوية
(١٢ - ١٤)
بقلم: أ.د. حاكم المطيري
٢٤ / ٥/ ١٤٤٧هـ
١٥/ ١١ / ٢٠٢٥م
تعبر رؤية الجماعات العربية القاديانية عموما، والخليجية خصوصا
للمنطقة وشعوبها، وللحملة الصليبية التي احتلتها، ولدويلاتها الوظيفية التي
أنشأتها، عن أزمة الهوية، وعن ثقافتها الوطنية اللادينية، فتاريخها لا يبدأ من
الهجرة النبوية وتأسيس دولة الإسلام وخلافته، فهي لا ترى دولها امتدادا له أصلا،
بل تاريخها يبدأ باحتلال الحملة الصليبية للمنطقة ١٩٢٠م، وإسقاطها للخلافة
العثمانية، وتوقيعها اتفاقيات الحماية لمن انحاز إليها وقام بخدمتها، وتأسيسها
لهذه الدويلات، ورسمها حدودها، فهناك مؤسس لكل دولة، وتاريخ خاص بها، وآباء مؤسسون
مقدسون، سنوا لها سننا جاهلية، ليست هي سنن الإسلام والنبوة والخلافة الراشدة التي
أوجب النبي ﷺ اتباعها فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وقال: (اقتدوا
باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، والتي اشترط الصحابة بالإجماع على الخليفة الثالث
عثمان لزومها وبايعوه عليها، كما في صحيح البخاري أنهم بايعوه (على الكتاب والسنة
وسيرة الخليفتين من بعده)، والتي حذر النبي ﷺ من كل ما خالفها، فقال: (وإياكم ومحدثات الأمور)، وقال: (من أحدث في
أمرنا ما ليس منه فهو رد)، خاصة سنن الجاهلية فقال: (أبغض الناس إلى الله مبتغ في
الإسلام سنة جاهلية..)، وقال: (كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، وكان أعظم ما
أبطله النبي ﷺ تفرق أهل الجاهلية، فجمع الأمة على الإسلام، والجماعة الواحدة،
والدولة الواحدة، كما قال عمر: (لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمامة).
وجعل النبي ﷺ: (الأرض لله ولرسوله وللمؤمنين)، وقال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت
مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)، فأضاف الأرض والملك للأمة
كلها، إضافة استحقاق، حتى قال عمر كما في صحيح البخاري: (والله إنها لبلادهم عليها
قاتلوا في الجاهلية، وعليها أسلموا، ولولا إبل الصدقة ما حميت منها شبرا)!
وجعلهم الإسلام في الحقوق والواجبات سواء لا فرق بينهم.
فأصبحت في ظل دويلات الحملة الصليبية الوظيفية ملكا خاصا لمن نصبتهم
الحملة الصليبية عليها، ومنحتهم وضمنت لهم بموجب معاهدات الحماية الحكم وتوريثه،
والنفط ومنح استخراجه، وصارت علاقة شعوبها بهم علاقة تبعية لا مواطنة، لضمان عدم
خروجها عن شروط الحماية البريطانية الصليبية، فالذي يمنح الهوية وحقوق المواطنة
ويسحبها من شعوبها، ليس القضاء في الدولة الوظيفية، بل المعتمد الرسمي من قبل
الحملة الصليبية! فلا يجد مواطنوها إلا الاستنجاد بمنظمات حقوق الإنسان الأوربية
لرفع ظلم مندوبيهم!
وأصبحت الجماعات القاديانية الخليجية إما مؤيدة لهذه الجرائم باسم
طاعة ولي الأمر! أو معارضة لها باسم الدستور وميثاق حقوق الإنسان والاحتجاج
بالنموذج الأوربي وحقوق المواطنة فيه!
أما الإسلام وأحكامه، وسنن الخلافة الراشدة التي صانت حقوق الأمة
وحريتها، وجعلت الأرض لها، والأمر والحكم شورى بينها، فلا يرفع أحد من دعاة
القاديانية به رأسا، ولا تكاد تذكر في ثقافة جماعاتهم الوظيفية ولا في خطابها
الدعوي ولا السياسي ولا الفكري!
وبلغ الانحراف بها أن أقرت ما يفعل اليوم بمئات الآلاف من مواطني دول
الخليج من سحب جنسيتهم، وإعدامهم معنويا وحقوقيا، خارج دائر القضاء، وحرمانهم من
كل حقوقهم الإنسانية، ظلما وطغيانا، وعقابا جماعيا لوقوف شعوبها مع غزة ورفضها
التطبيع مع المحتل الصهيوني! وأجازت قبل ذلك حرمان "البدون" من أدنى
حقوقهم الإنسانية وهو ما لا يفعله حتى الكفار للأجانب في بلدانهم! بل لم يحدث مثله
حتى في فلسطين المحتلة من قبل حكومة الليكود التي يتمتع حاملي جنسيتها من أهل
فلسطين بما لا يتمتع به العرب على أرضهم وأرض أجدادهم منذ عدنان وقحطان!
وحتى صدرت فتاوى شيوخ القاديانية تبرر هذا القتل والإعدام المعنوي
خارج إطار القانون لمئات الآلاف من المسلمين الأبرياء من الآباء والأطفال والنساء -الذين
باتوا فجأة بلا هوية ولا جنسية ومحرومين من كل حقوقهم الإنسانية حتى يضطروهم
للهجرة إلى بلاد الكفر- احتجاجا بالسنة النبوية وحديث: (من انتسب لغير أبيه)!
وعطلوا النصوص القطعية: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وقوله ﷺ: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)، وإجماع الفقهاء على أن
المسلمين في أرض الإسلام سواء في الحقوق والواجبات، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي،
وأن للطفل اللقيط في أرض الإسلام : حق الحرية، وحق الإسلام، وكفالته ونفقته من بيت
المال!
ففعلوا بإخوانهم المسلمين باسم القرآن والسنة ما فعله اليهود من قبلهم
ببعضهم باسم التوراة ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من
دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم
من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم
إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ [البقرة: ٨٤-٨٥].